أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

324

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً : هذه الآية مما ينبغي أن يطوّل فيها القول لإشكالها واضطراب أقوال الناس فيها . ولا بد قبل التعرض للإعراب من ذكر معنى الكلالة واشتقاقها واختلاف الناس فيها ، ثم نعود بعد ذلك لإعرابها ، لأنه متوقف على ما ذكرنا فنقول - وباللّه العون - : اختلف في معنى الكلالة فقال جمهور اللغويين وغيرهم : إنه الميت الذي لا ولد له ولا والد ، وقيل : الذي لا والد له فقط . وقيل : الذي لا ولد له فقط ، وقيل : هو من لا يرثه أب ولا أم ، وعلى هذه الأقوال كلّها فالكلالة واقعة على الميت . وقيل : الكلالة : الورثة ما عدا الأبوين والولد ، قاله قطرب ، وسمّوا بذلك لأنّ الميت بذهاب طرفيه تكلله الورثة أي : أحاطوا به من جميع نواحيه ، ويؤيد هذا القول بأنّ الآية نزلت في جابر ، ولم يكن له يوم أنزلت أب ولا ابن . وقيل : الكلالة : المال الموروث . وقيل : الكلالة : القرابة ، وقيل : هي الوراثة . فقد تلخص ممّا تقدم أنها : إمّا الميت الموروث أو الوارث أو المال الموروث أو الإرث أو القرابة . وأمّا اشتقاقها فقيل : هي مشتقة من تكلّله الشيء أي : أحاط به ، وذلك أنّه إذا لم يترك ولدا ولا والدا فقد انقطع طرفاه وهما عمودا نسبه وبقي ماله الموروث لمن يتكلّله نسبه أي : يحيط به كالإكليل ، ومنه « الروضة المكلّلة » أي : بالزهر ، وعليه قول الفرزدق : 1560 - ورثتم قناة المجد لا عن كلالة * عن ابني مناف عبد شمس وهاشم « 1 » وقيل : اشتقاقها من الكلال وهو الإعياء ، فكأنه يصير الميراث للوارث من بعد إعياء . وقال الزمخشري : والكلالة في الأصل : مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء . قال الأعشى : 1561 - فآليت لا أرثي لها من كلالة * ولا من وحى حتّى تلاقي محمّدا « 2 » فاستعير للقرابة من غير جهة الولد والوالد ، لأنها بالإضافة إلى قرابتهما كأنها كالّة ضعيفة » . وأجاز فيها أيضا أن تكون صفة على وزن فعالة قال : « كالهجاجة والعصافة للأحمق » . إذا تقرر هذا فلنعد إلى الإعراب فنقول والعون باللّه : يجوز في « كانَ » وجهان أحدهما : أن تكون ناقصة ، و « رَجُلٌ » اسمها ، وفي الخبر احتمالان : أحدهما : أنه « كَلالَةً » إن قيل : إنها الميت ، وإن قيل : إنها الوارث أو غير ذلك فتقدّر حذف مضاف أي : ذا كلالة ، و « يُورَثُ » حينئذ في محلّ رفع صفة ل « رَجُلٌ » وهو فعل مبني للمفعول ، ويتعدّى في الأصل لاثنين أقيم الأول مقام الفاعل وهو ضمير الرجل ، والثاني محذوف تقديره : يورث هو ماله .

--> ( 1 ) البيت في ديوانه ص 62 هكذا : ورثتم قناة الملك غير كلالة * عن ابن مناف عبد شمس وهاشم وهو من قصيدته في قتل مسلم بن قتيبة . ( 2 ) انظر ديوانه ( 50 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 112 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 10 / 100 ) ، وروايته في الديوان : فآليت لا أرثي لهما من كلالة * ولا من حفى حتى تزور محمدا والكلالة : التعب .