أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
323
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
محلّ نصب مفعولا أول ، وعلى الثاني يكون الموصول في محلّ نصب مفعولا أول ، ويكون الثاني محذوفا ، وبعدم الاحتياج إلى حذف المفعول الثاني يترجّح الوجه الأول . ثم هذه الجملة أعني قوله : « آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ » لا محلّ لها من الإعراب لأنها جملة اعتراضية . قال الزمخشري : - بعد أن حكى في معانيها أقوالا اختار منها الأول - لأنّ هذه الجملة اعتراضية ، ومن حقّ الاعتراض أن يؤكّد ما اعترض بينه وبين ما يناسبه » يعني بالاعتراض أنها واقعة بين قصة المواريث ، إلا أنّ هذا الاعتراض غير مراد النحويين ، لأنهم لا يعنون بالاعتراض في اصطلاحهم إلّا ما كان بين شيئين متلازمين كالاعتراض بين المبتدأ وخبره ، والشرط وجزائه ، والقسم وجوابه ، والصلة وموصولها . ثم ذكر في معانيها أقوالا : أحدها : - وهو الذي اختاره - أن جعلها متعلقة بالوصية فقال : « ثم أكّد ذلك - يعني الاهتمام بالوصية - ورغّب فيه بقوله « آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ » أي : لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون ، أمن أوصى منهم أم من لم يوص ، يعني أنّ من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعا وأحضر جدوى ممّن ترك الوصيّة فوفّر عليكم عرض الدنيا ، وجعل ثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا ، ذهابا إلى حقيقة الأمر ، لأن عرض الدنيا وإن كان قريبا عاجلا في الصورة إلا أنه فان ، فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى ، وثواب الآخرة وإن كان آجلا إلا أنه باق ، فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى » . وانتصب « نَفْعاً » على التمييز من « أَقْرَبُ » ، وهو منقول من الفاعلية ، واجب النصب ، لأنه متى وقع تمييز بعد أفعل التفضيل : فإن صحّ أن يصاغ منها فعل مسند إلى ذلك التمييز على جهة الفاعلية وجب النصب كهذه الآية ، إذ يصح أن يقال : أيّهم قرب لكم نفعه ، وإن لم يصحّ ذلك وجب جرّه نحو : « زيد أحسن فقيه » بخلاف « زيد أحسن فقها » وهذه قاعدة مفيدة . و « لَكُمْ » متعلق ب « أَقْرَبُ » . قوله : فَرِيضَةً فيها ثلاثة أوجه : أظهرها : أنها مصدر مؤكّد لمضمون الجملة السابقة من الوصية ، لأنّ معنى « يُوصِيكُمُ » فرض اللّه عليكم ، فصار المعنى : « يوصيكم اللّه وصية فرض » فهو مصدر على غير الصدر . والثاني : أنها مصدر منصوب بفعل محذوف من لفظها . قال أبو البقاء : و « فَرِيضَةً » مصدر لفعل محذوف أي : فرض اللّه ذلك فريضة » . والثالث - قاله مكي وغيره - أنها حال لأنها ليست مصدرا ، وكلام الزمخشري محتمل للوجهين الأوّلين فإنه قال : « فَرِيضَةً » نصبت نصب المصدر المؤكد ، أي : فرض ذلك فرضا » . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 12 ] وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ( 12 )