أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
305
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 4 ] وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ( 4 ) وقوله تعالى : صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً : مفعول ثان ، وهي جمع « صدقة » بفتح الصاد وضم الدال بزنة « سمرة » ، والمراد بها المهر ، وهذه هي القراءة المشهورة ، وهي لغة الحجاز . وقرأ قتادة : « صدقاتهن » بضم الصاد وإسكان الدال ، جمع صدقة بزنة غرفة . وقرأ مجاهد وابن أبي عبلة بضمّهما ، وهي جمع صدقة بضم الصاد والدال ، وهي تثقيل الساكنة الدال للاتباع . وقرأ ابن وثاب والنخعي : « صدقتهنّ » بضمهما مع الإفراد . قال الزمخشري : « وهي تثقيل « صدقة » كقولهم في « ظلمة » : « ظلمة » . وقد تقدم لنا خلاف . هل يجوز تثقيل الساكن المضموم الفاء ؟ وقرىء : « صدقاتهن » بفتح الصاد وإسكان الدال ، وهي تخفيف القراءة المشهورة كقولهم في عضد : عضد . وفي نصب « نِحْلَةً » أربعة أوجه : أحدها : أنها منصوبة على المصدر ، والعامل فيها الفعل قبلها ؛ لأن « آتوهن » بمعنى انحلوهنّ ، فهي مصدر على غير الصدر نحو : « قعدت جلوسا » . الثاني : أنها مصدر موقع الحال ، وفي صاحب الحال ثلاثة احتمالات . أحدها : أنه الفاعل في « فآتوهن » أي : فآتوهن ناحلين . الثاني : أنه المفعول الأول وهو « النِّساءَ » . الثالث : أنه المفعول الثاني وهو « صَدُقاتِهِنَّ » أي : منحولات . الوجه الثالث : أنها مفعول من أجله ؛ إذا فسّرت بمعنى « شرعة » . الوجه الرابع : انتصابها بإضمار فعل بمعنى شرع ، أي : نحل اللّه ذلك نحلة أي : شرعه شرعة ودينا . والنّحلة : العطيّة عن طيب نفس ، والنّحلة : الشّرعة ، ومنه « نحلة الإسلام خير النحل » ، وفلان ينتحل بكذا أي : يدين به ، والنّحلة : الفريضة . قال الراغب : « والنّحلة والنّحلة : العطيّة على سبيل التبرع ، وهي أخصّ من الهبة ، إذ كل هبة نحلة من غير عكس ، واشتقاقه فيما أرى من النّحل نظرا إلى فعله ، فكأن « نحلته » أعطيته عطية النحل » ثم قال : « ويجوز أن تكون النّحلة أصلا فسمّي النحل بذلك اعتبارا بفعله » وقال الزمخشري : « من نحله كذا : أعطاه إياه ، ووهبه له عن طيب نفسه ، نحلة ونحلا ، ومنه حديث أبي بكر رضي اللّه عنه : « إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا » « 1 » . قوله : مِنْهُ في محل جر ، لأنه صفة ل « شَيْءٍ » فيتعلق بمحذوف أي : عن شيء كائن منه . و « من » فيها وجهان ، أحدهما : أنها للتبعيض ، ولذلك لا يجوز لها أن تهبه كلّ الصّداق . وإليه ذهب الليث . والثاني : أنها للبيان ، ولذلك يجوز أن تهبه كل الصّداق . قال ابن عطية : « و « من » لبيان الجنس ههنا ، ولذلك يجوز أن تهب المهر كله ، ولو وقعت على التبعيض لما جاز ذلك » . انتهى . وقد تقدّم أن الليث يمنع ذلك فلا يشكل كونها للتبعيض . وفي هذا الضمير أقوال :
--> ( 1 ) أخرجه مالك في الموطأ بنحوه 2 / 752 ، كتاب الأقضية ( 40 ) .