أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

306

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها : أنه يعود على الصّداق المدلول عليه ب « صَدُقاتِهِنَّ » . الثاني : أنه يعود على « الصّدقات » لسدّ الواحد مسدّها ، ولو قيل : « صداقهنّ » لم يختلّ المعنى ، وهو شبيه بقولهم : « هو أحسن الفتيان وأجمله » لأنه لو قيل : « هو أحسن فتى » لصحّ المعنى ، ومثله : 1545 - وطاب ألبان اللّقاح وبرد « 1 » في « برد » ضمير يعود على « ألبان » لسدّ « لبن » مسدّها . الثالث : أنه يعود على « الصّدقات » أيضا ، لكن ذهابا بالضمير مذهب الإشارة ، فإن اسم الإشارة قد يشار به مفردا مذكرا إلى أشياء تقدّمته كقوله : « قل أؤنبئكم بخير من ذلكم » « 2 » بعد ذكره أشياء قبله ، وقد تقدّم لك في البقرة ما حكي عن رؤبة لمّا قيل له في قوله : 1546 - فيها خطوط من سواد وبلق * كأنّه في الجلد توليع البهق « 3 » « أردت ذلك » ، فأجرى الضمير مجرى اسم الإشارة . الرابع : أنه يعود على المال ، وإن لم يجر له ذكر ؛ لأنّ الصّدقات تدلّ عليه . الخامس : أنه يعود على الإيتاء المدلول عليه ب « آتُوا » قاله الراغب وابن عطية . السادس : قال الزمخشري : « ويجوز أن يذكّر الضمير لينصرف إلى الصّداق الواحد ، فيكون متناولا بعضه ، ولو أنّث لتناول ظاهره هبة الصّداق كلّه ، لأنّ بعض الصّدقات واحد منها فصاعدا . وقال الشيخ « 4 » : « وأقول حسّن تذكير الضمير أنّ معنى « فَإِنْ طِبْنَ » : فإن طابت كلّ واحدة ، فلذلك قال « مِنْهُ » أي : من صداقها ، وهو نظير : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً « 5 » أي : لكلّ واحدة ، ولذلك أفرد « متّكأ » . قوله : نَفْساً منصوب على التمييز ، وهو هنا منقول عن الفاعل ، إذ الأصل : فإن طابت أنفسهنّ ، ومثله : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً « 6 » ، وهذا منصوب عن تمام الكلام . وجيء بالتمييز هنا مفردا ، وإن كان قبله جمع لعدم اللّبس ، إذ من المعلوم أنّ الكلّ لسن مشتركات في نفس واحدة ، ومثله : « قرّ الزيدون عينا » ويجوز « أنفسا » و « أعينا » . ولا بد من التعرّض لقاعدة يعمّ النفع بها : وهي أنه إذا وقع تمييز بعد جمع منتصب عن تمام الكلام فلا يخلو : إمّا أن يكون موافقا لما قبله في المعنى أو مخالفا له ، فإن كان الأول وجبت مطابقة التمييز لما قبله نحو : « كرم الزيدون رجالا » كما يطابقه خبرا وصفة وحالا . وإن كان الثاني : فإمّا أن يكون مفرد المدلول أو مختلفه ، فإن كان مفرد المدلول وجب إفراد التمييز كقولك في أبناء رجل واحد : « كرم بنو زيد أبا أو أصلا » ، أي : إنّ لهم جميعا أبا واحدا متصفا بالكرم ، ومثله : « كرم الأتقياء سعيا » إذا لم تقصد بالمصدر اختلاف الأنواع لاختلاف محالّه . وإن كان مختلف المدلول : فإما أن يلبس إفراد التمييز لو أفرد أو

--> ( 1 ) البيت لم اهتد لقائله ، واللقاح : هي الناقة من حين يسمن سنام ولدها . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 15 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 166 ) . ( 5 ) سورة يوسف ، آية ( 31 ) . ( 6 ) سورة مريم ، آية ( 4 ) .