أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

304

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

عال الرجل يعول : كثر عياله ، وعال يعيل افتقر وصار له عائلة . والحاصل : أن « عال الميزان » ، وبمعنى كثر عياله ، وبمعنى تفاقم الأمر ، والمضارع من هذا كلّه يعول ، وعال الرجل : افتقر ، وعال في الأرض ذهب فيها ، والمضارع من هذين يعيل ، والمتعدي يكون بمعنى أثقل وبمعنى مان من المؤونة وبمعنى غلب ، ومنه « عيل صبري » ، ومضارع هذا كله : يعول ، وبمعنى أعجز ، تقول : أعالني الأمر أي : أعجزني ، ومضارع هذا يعيل والمصدر عيل ومعيل . فقد تلخص من هذا أن « عال » اللازم يكون تارة من ذوات الواو وتارة من ذوات التاء باختلاف المعنى ، وكذلك « عال » المتعدي أيضا . وفسّر الشافعي « تَعُولُوا » بمعنى : يكثر عيالكم ، وردّ هذا القول جماعة كأبي بكر بن داود الرازي والزجاج وصاحب « النظم » . قال الرازي : « هذا غلط من جهة المعنى واللفظ : أما الأول فلإباحة السراري مع أنه مظنة كثرة العيال كالتزوج ، وأما اللفظ فلأن مادة « عال » بمعنى كثر عياله من ذوات الياء لأنه من العيلة ، وأما « عال » بمعنى جار فمن ذوات الواو فاختلفت المادتان ، وأيضا فقد خالف المفسرين » . وقال صاحب النظم : « قال أولا « أَلَّا تَعْدِلُوا » فوجب أن يكون ضدّه الجور » . وقد ردّ الناس على هؤلاء ، أمّا قولهم : « التسرّي أيضا يكثر معه العيال مع أنه مباح » فممنوع ، وذلك لأنّ الأمة ليست كالمنكوحة ، ولهذا يعزل عنها بغير إذنها ويؤجرها ويأخذ أجرتها ينفقها عليه وعليها وعلى أولادها . وقال الزمخشري : « وجهه أن يجعل من قولك : « عال الرجل عياله يعولهم » كقولك : مانهم يمونهم أي : أنفق عليهم ، لأنّ من كثر عياله لزمه أن يعولهم ، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة من كسب الحلال والأخذ من طيب الرزق » ثم أثنى على الشافعي ثناء جميلا ، وقال : « ولكن للعلماء طرق وأساليب ، فسلك في تفسير هذه الآية مسلك الكنايات » . انتهى . وأمّا قولهم : « خالف المفسرين » فليس بصحيح ، بل قاله زيد بن أسلم وابن زيد . وأمّا قولهم « اختلفت المادتان » فليس بصحيح أيضا ؛ لأنه قد تقدّم حكاية ابن الأعرابي عن العرب : « عال الرجل يعول : كثر عياله » ، وحكاها الكسائي أيضا ، قال : « يقال : عال الرجل يعول ، وأعال يعيل : كثر عياله » ونقلها أيضا الدوري المقرئ لغة عن حمير وأنشد : 1543 - وإنّ الموت يأخذ كلّ حيّ * بلا شكّ وإن أمشى وعالا « 1 » أمشى : كثرت ماشيته ، وعال : كثر عياله ، ولا حجة في هذا ؛ لاحتمال أن يكون « عال » من ذوات الياء ، وهم لا ينكرون أنّ « عال » يكون بمعنى كثر عياله ، وروي عنه أيضا أنه فسّر « تَعُولُوا » بمعنى تفتقروا ، ولا يريد به أنّ تعولوا وتعيلوا بمعنى ، بل قصد الكناية أيضا ، لأن كثرة العيال سبب الفقر . وقرأ طلحة : « تعيلوا » بفتح تاء المضارعة من عال يعيل : افتقر ، قال 1544 - وما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغنيّ متى يعيل « 2 » وقرأ طاوس : « تعيلوا » بضمها من أعال : كثر عياله ، وهي تعضد تفسير الشافعي المتقدم من حيث المعنى . وقال الراغب : « عاله وغاله يتقاربان ، لكن الغول فيما يهلك ، والعول فيما يثقل ، وعالت الفريضة : إذا زادت في القسمة المسماة لأصحابها بالنصّ » .

--> ( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 3 / 165 ) . ( 2 ) البيت لأحيحة بن الجلاح ، القرطبي ( 5 / 21 ) .