أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
297
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
تحقيق القول في هذه المسألة ، وأنّ فيها ثلاثة مذاهب ، واحتجاج كل فريق في قوله تعالى : وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ « 1 » . وقد طعن جماعة على هذه القراءة كالزجاج وغيره ، حتى يحكى عن الفراء الذي مذهبه جواز ذلك أنه قال : « حدّثني شريك بن عبد اللّه عن الأعمش عن إبراهيم قال : والأرحام » - بخفض الأرحام - هو كقولهم : و « أسألك باللّه والرحم » قال : « وهذا قبيح » ، لأنّ العرب لا تردّ مخفوضا على مخفوض قد كني عنه » . والثاني : أنه ليس معطوفا على الضمير المجرور بل الواو للقسم وهو خفض بحرف القسم مقسم به ، وجواب القسم : « إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً » . وضعّف هذا بوجهين ، أحدهما : أن قراءتي النصب وإظهار حرف الجر في « بالأرحام » يمنعان من ذلك ، والأصل توافق القراءات . والثاني : أنه نهي أن يحلف بغير اللّه تعالى والأحاديث مصرحة بذلك . وقدّر بعضهم مضافا فرارا من ذلك فقال : « تقديره : وربّ الأرحام » قال أبو البقاء : وهذا قد أغنى عنه ما قبله » يعني الحلف باللّه تعالى . ولقائل [ أن يقول : ] « إنّ للّه تعالى أن يقسم بما شاء كما أقسم بمخلوقاته كالشمس والنجم والليل ، وإن كنا نحن منهيين عن ذلك » ، إلا أنّ المقصود من حيث المعنى ليس على القسم ، فالأولى حمل هذه القراءة على العطف على الضمير ، ولا التفات إلى طعن من طعن فيها ، وحمزة بالرتبة السّنيّة المانعة له من نقل قراءة ضعيفة . وقرأ عبد اللّه أيضا : « والأرحام » رفعا وهو على الابتداء ، والخبر محذوف فقدّره ابن عطية : « أهل أن توصل » ، وقدّره الزمخشري : و « الأرحام ممّا يتقى ، أو : مما يتساءل به » ، وهذا أحسن للدلالة اللفظية والمعنوية ، بخلاف الأول ، فإنه للدلالة المعنوية فقط ، وقدّره أبو البقاء : « والأرحام محترمة » أي : واجب حرمتها . وقوله : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً جار مجرى التعليل . والرقيب : فعيل للمبالغة من رقب يرقب رقبا ورقوبا ورقبانا إذا أحدّ النظر لأمر يريد تحقيقه ، واستعماله في صفات اللّه تعالى بمعنى الحفيظ ، قال : 1531 - كمقاعد الرّقباء للضّرباء أيديهم نواهد « 2 » والرقيب أيضا : ضرب من الحيّات . والرقيب : السهم الثالث من سهام الميسر وقد تقدمت في البقرة « 3 » ؛ والارتقاب : الانتظار . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 2 ] وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً ( 2 ) قوله تعالى : بِالطَّيِّبِ : هو المفعول الثاني ل « تَتَبَدَّلُوا » وقد تقدم في البقرة في قوله تعالى : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا « 4 » أن المجرور بالباء هو المتروك والمنصوب هو الحاصل . وتفعّل هنا بمعنى استفعل وهو كثير ، نحو : تعجّل وتأخر بمعنى استعجل واستأخر . ومن مجيء تبدّل بمعنى استبدل قول ذي الرمة :
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 217 ) . ( 2 ) البيت لأبي دؤاد الإيادي . انظر تفسير الطبري ( 7 / 524 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 113 ) ، البحر ( 3 / 150 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 219 ) . ( 4 ) آية رقم ( 59 ) .