أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
288
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
1522 - فما برحت أقدامنا في مقامنا * ثلاثتنا حتّى أزيروا المنائيا « 1 » وقوله تعالى : تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا « 2 » فلمّا أفاد الإحاطة والتأكيد جاز . واستدلّ الأخفش بقوله : 1523 - بكم قريش كفينا كلّ معضلة * وأمّ نهج الهدى من كان ضلّيلا « 3 » وقول الآخر : 1524 - وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى * بمستلئم مثل الفنيق المدجّل « 4 » ف « قريش » بدل من « كم » ، و « بمستلئم » بدل من « بي » بإعادة حرف الجرّ ، وليس ثمّ لا إحاطة ولا تأكيد ، فمذهبه يمشي على رأي الأخفش دون الجمهور . الثاني : أنّ البدل التفصيلي لا يكون ب « أو » ، وإنما يكون بالواو لأنها للجمع كقوله : 1225 - وكنت كذي رجلين رجل صحيحة * ورجل رمى منها الزّمان فشلّت « 5 » وقد يمكن أن يجاب عنه بأن « أو » وقد تأتي بمعنى الواو كقوله : 1526 - قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم * ما بين ملجم مهره أو سافع « 6 » ف « أو » بمعنى الواو ، لأنّ بين لا تدخل إلا على متعدد ، وكذلك هنا لمّا كان « عامِلٍ » عامّا أبدل منه على سبيل التوكيد ، وعطف من أحد الجزأين ما لا بدّ منه ، لأنه لا يؤكّد العموم إلا بعموم . الخامس : أن يكون « مِنْ ذَكَرٍ » صفة « ثانية » ل « عامِلٍ » قصد بها التوضيح فتتعلّق بمحذوف كالتي قبلها . قوله : بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ مبتدأ وخبر ، وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنّ هذه الجملة استئنافية جيء بها لتبيين شركة النساء مع الرجال في الثواب الذي وعد اللّه به عباده العاملين ، لأنه يروى في الأسباب أنّ أم سلمة - رضي اللّه عنها - سألته عليه السّلام عن ذلك فنزلت ، والمعنى : كما أنكم من أصل واحد ، وأنّ بعضكم مأخوذ من بعض فكذلك أنتم في ثواب العمل لا يثاب رجل عامل دون امرأة عاملة . وعبّر الزمخشري عن هذا بأنها جملة معترضة . قال : « وهذه جملة معترضة بيّنت بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد اللّه العاملين » ويعني بالاعتراض أنها جيء بها بين قوله « عَمَلَ عامِلٍ » وبين ما فصّل به عمل العامل من قوله : « فَالَّذِينَ هاجَرُوا » ، ولذلك قال الزمخشري : « فالذين هاجروا تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم » . والثاني : أن هذه الجملة صفة . الثالث : أنها حال ، ذكرهما أبو البقاء ، ولم يعيّن الموصوف ولا ذا الحال ، وفيه نظر .
--> ( 1 ) البيت لعبيدة بن الحارث انظر العيني ( 4 / 188 ) ، الأشموني ( 3 / 129 ) ، التصريح ( 2 / 272 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 114 ) . ( 3 ) البيت في التصريح ( 2 / 161 ) ، الشذور ( ) ، البحر المحيط ( 3 / 144 ) . ( 4 ) البيت لذي الرمة انظر ديوانه ( 1499 ) ، البحر المحيط ( 3 / 144 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) تقدم .