أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
289
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : فَالَّذِينَ هاجَرُوا متبدأ ، وقوله : « لَأُكَفِّرَنَّ » جواب قسم محذوف تقديره : واللّه لأكفّرنّ ، وهذا القسم وجوابه خبر لهذا المبتدأ ، وفي هذه الآية ونظائرها من قوله : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ « 1 » . وقول الشاعر : 1527 - جشأت فقلت اللّذ خشيت ليأتين * وإذا أتاك فلات حين مناص « 2 » ردّ على ثعلب حيث زعم أن الجملة القسمية لا تقع خبرا . وله أن يقول : هذه معمولة لقول مضمر هو الخبر ، وله نظائر . والظاهر أنّ هذه الجمل التي بعد الموصول كلّها صلات له ، فلا يكون الخبر إلا لمن جمع بين هذه الصفات : المهاجرة والقتل والقتال ، ويجوز أن يكون على ذلك التنويع ، ويكون قد حذف الموصولات لفهم المعنى ، وهو مذهب الكوفيين ، وقد تقدّم القول فيه ، والتقدير : فالذين هاجروا ، والذين أخرجوا ، والذين قاتلوا ، فيكون الخبر بقوله : لأكفرنّ عمّن اتصف بواحدة من هذه . وقرأ جمهور السبعة : وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا ببناء الأول للفاعل من المفاعلة ، والثاني للمفعول ، وهي قراءة واضحة . وابن عامر وابن كثير كذلك ، إلا أنهما شدّدا التاء من « قتّلوا » للتكثير ، وحمزة والكسائي بعكس هذا ، ببناء الأول للمفعول ، والثاني للفاعل . وتوجيه هذه القراءة بأحد معنيين : إما أنّ الواو لا تقتضي الترتيب فلذلك قدّم معها ما هو متأخر في المعنى ، هذا إن حملنا ذلك على اتّحاد الأشخاص الذين صدر منهم هذان الفعلان . الثاني أن يحمل ذلك على التوزيع ، أي : منهم من قتل ومنهم من قاتل . وهذه الآية في المعنى كقوله : قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا « 3 » ، والخلاف في هذه كالخلاف في قوله : فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ في براءة « 4 » ، والتوجيه هناك كالتوجيه هنا . وقرأ عمر بن عبد العزيز : « وقتلوا وقتلوا » ببناء الأول للفاعل من « فعل » ثلاثيا ، والثاني للمفعول ، وهي كقراءة الجماعة . وقرأ محارب بن دثار : « قتلوا وقاتلوا » ببنائهما للفاعل . وقرأ طلحة بن مصرف : « وقتّلوا وقاتلوا » كقراءة حمزة والكسائي ، إلّا أنّه شدّد التاء ، والتخريج كتخرج قراءتهما . ونقل الشيخ « 5 » عن الحسن وأبي رجاء : « قاتلوا وقتّلوا » بشديد التاء من « قتّلوا » ، وهذه هي قراءة ابن كثير وابن عامر كما تقدّم ، وكأنه لم يعرف أنها قراءتهما . قوله : ثَواباً في نصبه ثمانية أوجه : أحدها : أنه نصب على المصدر المؤكّد ، لأنّ معنى الجملة قبله يقتضيه ، والتقدير : لأثيبنّهم إثابة أو تثويبا ، فوضع « ثَواباً » موضع أحد هذين المصدرين ، لأنّ الثواب في الأصل اسم لما يثاب به كالعطاء : اسم لما يعطى ، ثم قد يقعان
--> ( 1 ) سورة العنكبوت ، آية ( 69 ) . ( 2 ) البيت في مغنى اللبيب ( 454 ) ، البحر المحيط ( 3 / 146 ) . ( 3 ) سورة آل عمران ، آية ( 146 ) . ( 4 ) آية ( 111 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 145 ) .