أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

285

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

شيء يسمع نحو : « سمعت رجلا يقول كذا ، وسمعت زيادا يتكلم . وللنحويين في هذه المسألة قولان : أحدهما : أنها تتعدى فيه أيضا إلى مفعول واحد ، والجملة الواقعة بعد المنصوب صفة إن كان قبلها نكرة ، وحالا إن كان معرفة . والثاني : - قول الفارسي وجماعة - تتعدّى لاثنين الجملة في محلّ الثاني منهما . فعلى قول الجمهور يكون « يُنادِي » في محلّ نصب لأنه صفة لمنصوب قبله ، وعلى قول الفارسي يكون في محلّ نصب على أنه مفعول ثان . وقال الزمخشري : « تقول : سمعت رجلا يقول كذا ، وسمعت زيدا يتكلم ، فتوقع الفعل على الرجل ، وتحذف المسموع لأنك وصفته بما يسمع أو جعلته حالا منه فأغناك عن ذكره ، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بدّ ، وأن تقول : سمعت كلام فلان أو قوله » . وهذا قول الجمهور الذي قدّمت لك ذكره . إلّا أنّ الشيخ « 1 » اعترض عليه فقال : « قوله : ولولا الوصف أو الحال إلى آخره ليس كذلك ، بل لا يكون وصف ولا حال ومع ذلك تدخل « سمع » على ذات لا على مسموع » كقوله تعالى : هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ « 2 » فأغنى ذكر ظرف الدعاء عن المسموع » . وأجاز أبو البقاء في « يُنادِي » أن يكون في محلّ نصب على الحال من الضمير المستكن في « مُنادِياً » . فإن قيل : فما الفائدة في الجمع بين « مناد » و « يُنادِي » ؟ فأجاب الزمخشري بأنه ذكر النداء مطلقا ثم مقيدا بالإيمان تفخيما لشأن المنادي لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان ، وذلك أنّ المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب أو لإطفاء الثائرة أو لإغاثة المكروب أو لكفاية بعض النوازل أو لبعض المنافع ، فإذا قلت : « يُنادِي لِلْإِيمانِ » فقد رفعت من شأن المنادي وفخّمته . وأجاب أبو البقاء عنه بثلاثة أجوبة : أحدها : التوكيد نحو : قم قائما . الثاني : أنه وصل به ما حسّن التكرير وهو « لِلْإِيمانِ » . الثالث : أنه لو اقتصر على الاسم لجاز أن نسمع معروفا بالنداء يذكر ما ليس بنداء فلمّا قال « يُنادِي » ثبت أنهم سمعوا نداءه في هذه الحال . ومفعول « يُنادِي » محذوف أي : ينادي الناس . ويجوز ألّا يراد مفعول نحو : أَماتَ وَأَحْيا « 3 » و « نادى » و « دعا » يتعدّيان باللام تارة وب « إلى » أخرى ، وكذلك « ندب » . قال الزمخشري : و « ذلك أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص واقعان جميعا » فاللام في موضعها ، ولا حاجة إلى أن يقال : إنها بمعنى « إلى » ولا إنها بمعنى الباء ، ولا إنها لام العلة أي : لأجل الإيمان كما ذهب إلى ذلك بعضهم . قوله : أَنْ آمِنُوا قولان :

--> ( 1 ) انظر البحر 3 / 141 . ( 2 ) سورة الشعراء ، آية ( 72 ) . ( 3 ) سورة النجم ، آية ( 44 ) .