أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

286

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدهما : أنها تفسيرية لأنها وقعت بعد فعل بمعنى القول لا حروفه ، وعلى هذا فلا موضع لها من الإعراب . والثاني : أنها المصدرية وصلت بفعل الأمر ، وفي وصلها به نظر من حيث إنها إذا انسبك منها وممّا بعدها مصدر تفوت الدلالة على الأمرية ، واستدلّوا على وصلها بالأمر بقولهم : « كتبت إليه بأن قم » فهي هنا مصدرية ليس إلا ، وإلّا يلزم تعليق حرف الجر . ولهذا موضع هو أليق به ، وإذا قيل بأنها مصدرية فالأصل التعدّي إليها بالباء أي : بأن آمنوا ، فيكون فيها المذهبان المشهوران : الجر والنصب . وقوله : فَآمَنَّا عطف على « سَمِعْنا » ، والعطف بالفاء مؤذن بتعجيل القبول وتسبّب الإيمان عن السماع من غير مهلة ، والمعنى : فآمنّا بربنا . قوله : مَعَ الْأَبْرارِ ظرف متعلّق بما قبله أي : توفّنا معدودين في صحبهم . وقيل : تجوّز به هنا عن الزمان . ويجوز أن يكون حالا من المفعول فيتعلّق بمحذوف ، وأجاز مكي وأبو البقاء أن تكون صفة لمحذوف أي : أبرارا مع الأبرار كقوله : 1520 - كأنّك من جمال بني أقيش * يقعقع خلف رجليه بشنّ « 1 » أي : كأنك جمل من جمال . قال أبو البقاء : « ويكون » أبرارا » حالا ، ولا حاجة إلى دعوى ذلك . والأبرار يجوز أن يكون جمع « بارّ » كصاحب ، وأصحاب ، أو برّ بزنة « كتف » نحو : كتف وأكتاف . قوله تعالى : عَلى رُسُلِكَ : فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه متعلق ب « وَعَدْتَنا » قال الزمخشري : « عَلى » هذه صلة للوعد في قولك : « وعد اللّه الجنة على الطاعة » والمعنى : ما وعدتنا في تصديق رسلك . والثاني : أن تتعلّق بمحذوف على أنها حال من المفعول وقدّره الزمخشري بقوله : « منزّلا على رسلك ، أو محمولا على رسلك ؛ لأنّ الرسل محمّلون ذلك : فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ « 2 » . وردّ الشيخ « 3 » عليه بأن الذي قدّره محذوفا كون مقيد ، وقد علم من القواعد أن الظرف والجار إذا وقعا حالين أو وصفين أو خبرين أو وصلين تعلّقا بكون مطلق ، والجارّ هنا وقع حالا فكيف يقدّر متعلّقه كونا وهو « منزّل » أو « محمول » ؟ الثالث : ذكره أبو البقاء أن تتعلّق « عَلى » ب « آتِنا » وقدّر مضافا محذوفا فقال : « على ألسنة رسلك » وهو حسن . والميعاد : اسم مصدر بمعنى الوعد . و « يَوْمَ الْقِيامَةِ » فيه وجهان : أحدهما : أنه منصوب ب « لا تُخْزِنا » . والثاني : أجازه الشيخ « 4 » أن يكون من باب الإعمال ؛ إذ يصلح أن يكون منصوبا ب « لا تُخْزِنا » وب « آتِنا ما وَعَدْتَنا » إذا كان الموعود به الجنة . وقرأ الأعمش : « رسلك » بسكون السين .

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة النور ، آية ( 54 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط 3 / 142 . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 143 ) .