أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

281

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

محذوف من الأول . وإذا عرفت ذلك فالفعل الثاني على هذه الأوجه الثلاثة تأكيد للأول . وقال مكي : « إن الفعل الثاني بدل من الأول » ، وتسمية مثل هذا بدلا فيه نظر لا يخفى ، وكأنه يريد أنّه في حكم المكرر ، فهو يرجع إلى معنى التأكيد ، ولذلك قال بعضهم : « والثاني معاد على طريق البدل مشوبا بمعنى التأكيد » وعلى هذين القولين - أعني كونه توكيدا أو بدلا - فالفاء زائدة ليست عاطفة ولا جوابا . وقوله : ( فلا يحسبنّهم ) أصله : يحسبوننّهم بنونين ، الأولى نون الرفع والثانية للتأكيد ، وتصريفه لا يخفى من القواعد المتقدمة . وتعدّى هنا فعل المضمر المنفصل إلى ضميره المتصل ، وهو خاصّ بباب الظن وب : عدم وفقد دون سائر الأفعال لو قلت : « أكرمتني » أي : « أكرمت أنا نفسي » لم يجز ، وموضع تقريره غير هذا . وأما قراءة الكوفيين فالفعلان فيها مسندان إلى ضمير المخاطب : إمّا الرسول عليه السّلام ، أو كلّ من يصلح للخطاب ، والكلام في المفعولين للفعلين كالكلام فيهما في قراءة أبي عمرو وابن كثير ، على قولنا : إن الفعل الأول مسند لضمير غائب . والفعل الثاني تأكيد للأول أو بدل منه ، والفاء زائدة كما تقدّم في توجيه قراءة أبي عمرو وابن كثير على قولنا إن الفعلين مسندان للموصول لأن الفاعل فيهما واحد . واستدلوا على أن الفاء زائدة بقوله : 1516 - لا تجزعي إن منفسا أهلكته * وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي « 1 » وبقول الآخر : 1517 - لمّا اتّقى بيد عظيم جرمها * فتركت ضاحي كفّه يتذبذب « 2 » أي : تركت . وقول الآخر : 1518 - حتّى تركت العائدات يعدنه * فيقلن : لا يبعد وقلت له : ابعد « 3 » إلا أن زيادة الفاء ليس رأي الجمهور ، إنما قال به الأخفش . وأمّا قراءة نافع وابن عامر بالغيبة في الأول والخطاب في الثاني فوجهها أنهما غايرا بين الفاعلين ، والكلام فيها يؤخذ ممّا تقدم ، فيؤخذ الكلام في الفعل الأول من الكلام على قراءة أبي عمرو وابن كثير ، وفي الثاني من الكلام على قراءة الكوفيين بما يليق به ، إلا أنه يمتنع هنا أن يكون الفعل الثاني تأكيدا للأول أو بدلا منه لاختلاف فاعليهما ، فتكون الفاء هنا عاطفة ليس إلا . وقال أبو علي في « الحجة » : « إنّ الفاء زائدة والثاني بدل من الأول » ، قال : « ليس هذا موضع العطف لأنّ الكلام لم يتمّ ، ألا ترى أن المفعول الثاني لم يذكر بعد » . وفيه نظر لاختلاف الفعلين باختلاف فاعليهما . وأمّا قراءة الخطاب فيهما مع ضمّ الباء فيهما فالفعلان مسندان لضمير المؤمنين المخاطبين ، والكلام في المفعولين كالكلام فيهما في قراءة الكوفيين . وأمّا قراءة الغيبة وفتح الباء فيهما فالفعلان مسندان إلى ضمير غائب أي : لا يحسبنّ الرسول أو حاسب ، والكلام

--> ( 1 ) البيت للنمر بن تولب انظر الكتاب 1 / 67 ، ابن الشجري 1 / 332 ، الخزانة 1 / 152 ، ابن يعيش 1 / 22 . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) البيت لحاتم الطائي انظر ديوانه ( 71 ) .