أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
282
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
في المفعولين للفعلين كالكلام في القراءة التي قبلها . والثاني من الفعلين تأكيد أو بدل ، والفاء زائدة على هاتين القراءتين لاتحاد الفاعل . وقرأ النخعي ومروان بن الحكم : « بما آتوا » ممدودا أي : أعطوا . وقرأ أبيّ : « أوتوا » مبنيا للمفعول . قوله : مِنَ الْعَذابِ فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق بمحذوف على أنه صفة ل « مفازة » أي : بمفازة كائنة من العذاب على جعلنا « مفازة » مكانا أي : بموضع فوز . قال أبو البقاء : « لأنّ المفازة مكان ، والمكان لا يعمل » ، يعني فلا يكون متعلقا بها ، بل بمحذوف على أنه صفة لها ، إلّا أنّ جعله صفة مشكل ، لأنّ المفازة لا تتصف بكونها من العذاب ، اللهم إلا أن يقدّر ذلك المحذوف الذي يتعلق به الجار شيئا خاصا [ حتى يصبح ] المعنى ، تقديره : بمفازة منجية من العذاب ، وفيه الإشكال المعروف وهو أنه لا يقدّر المحذوف في مثله إلا كونا مطلقا . الوجه الثاني : أنه يتعلّق بنفس « مفازة » على أنها مصدر بمعنى الفوز تقول : « فزت منه » أي : نجوت ، ولا يضرّ كونها مؤنثة بالتاء لأنها مبنية عليها ، وليست الدالّة على التوحيد فهو كقوله : 1519 - فلو لا رجاء النّصر منك ورهبة * عقابك قد كانوا لنا كالموارد « 1 » فأعمل « رهبة » في « عقابك » وهو مفعول صريح فهذا أولى . وقال أبو البقاء : « ويكون التقدير : فلا تحسبنّهم فائزين ، فالمصدر في موضع اسم الفاعل » انتهى . فإن أراد تفسير المعنى فذاك ، وإن أراد به أنه بهذا التقدير يصحّ التعلّق فلا حاجة إليه ، إذ المصدر مستقل بذلك لفظا ومعنى . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 191 إلى 192 ] الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 191 ) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 192 ) قوله تعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ : فيه خمسة أوجه : أولها : أنه نعت ل « أولي » ، فهو مجرور . وثانيها : أنه خبر مبتدإ محذوف أي : هم الذين . وثالثها : أنه منصوب بإضمار « أعني » ، وهذان الوجهان يسمّيان بالقطع ، وقد تقدم ذلك مرارا . الرابع : أنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره : يقولون : ربّنا . قاله أبو البقاء . وخامسها : أنه بدل من « أولي » ذكره مكي وأول الوجوه هو الأحسن . و قِياماً وَقُعُوداً حالان من فاعل « يَذْكُرُونَ » . و « عَلى جُنُوبِهِمْ » حال أيضا فيتعلّق بمحذوف ، والمعنى :
--> ( 1 ) تقدم .