أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

280

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الوجه الثاني : أنّ « الَّذِينَ » مفعول أول أيضا ، ومفعوله الثاني هو « بِمَفازَةٍ » الملفوظ به بعد الفعل الثاني ، ومفعول الفعل الثاني محذوف لدلالة مفعول الأول عليه ، والتقدير : لا يحسبنّ الرسول الذين يفرحون بمفازة فلا يحسبنّهم كذلك ، والعمل كما تقدم . وهذا بعيد جدا للفصل بين المفعول الثاني للفعل الأول بكلام طويل من غير حاجة . والفاء على هذين الوجهين عاطفة ، والسببية فيها ظاهرة . وإن جعلناه مسندا إلى الموصول ففيه ثلاثة أوجه ، أولها : أنّ الفعل الأول حذف مفعولاه اختصارا لدلالة مفعولي الفعل الثاني عليهما تقديره : لا يحسبنّ الفارحون أنفسهم فائزين فلا يحسبنّهم فائزين كقول الآخر : 1514 - بأيّ كتاب أم بأيّة سنّة * ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب « 1 » أي : وتحسب حبّهم عارا ، فحذف مفعولي الفعل الثاني لدلالة مفعولي الأول عليهما ، وهو عكس الآية الكريمة حيث حذف فيها من الفعل الأول . الوجه الثاني : أنّ الفعل الأول لم يحتج إلى مفعولين هنا . قال أبو علي : « يحسبنّ » لم يقع على شيء ، و « الَّذِينَ » رفع به ، وقد تجيء هذه الأفعال لغوا لا في حكم الجمل المفيدة كقوله : 1515 - وما خلت أبقى بيننا من مودّة * عراض المذاكي المسنفات القلائصا « 2 » وقال الخليل : « العرب تقول : ما رأيت يقول ذلك إلا زيد ، وما ظننت يقول ذلك إلا عمرو » يعني أبو علي : أنها في هذه الأماكن ملغاة لا مفعول لها . الثالث : أن يكون المفعول الأول محذوفا . والثاني هو نفس « بِمَفازَةٍ » ويكون « فلا يحسبنّهم » تأكيدا للفعل الأول . وهذا رأي الزمخشري ، فإنه قال بعدما حكى هذه القراءة : « على أنّ الفعل للذين يفرحون ، والمفعول الأول محذوف على معنى : « لا يحسبنّهم الذين يفرحون بمفازة » بمعنى : لا يحسبنّ أنفسهم الذين يفرحون فائزين ، و « فلا يحسبنّهم » تأكيد انتهى . قال الشيخ « 3 » : « وتقدّم لنا الردّ على الزمخشري في تقديره : « لا يحسبنّهم الذين » في قوله : لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي « 4 » وأن هذا التقدير لا يصحّ » . قلت : قد تقدم ذلك والجواب عنه بكلام طويل ، لكن ليس هو في قوله : لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي بل في قوله : ( ولا يحسبنّ الذين قتلوا في سبيل اللّه ) « 5 » في قراءة من قرأه بياء الغيبة ، فهناك ردّ عليه بما قال ، وقد أجبت عنه والحمد للّه ، وإنما نبّهت على الموضع لئلا يطلب هذا البحث من المكان الذي ذكره فلم يوجد . ويجوز أن يقال في تقرير هذا الوجه الثالث : إنه حذف من أحد الفعلين ما أثبت نظيره في الآخر ، وذلك أن « بِمَفازَةٍ » مفعول ثان للفعل الأول حذفت من الفعل الثاني ، و « هم » في : « فلا يحسبنّهم » مفعول أول للفعل الثاني ، وهو

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) البيت للأعشى انظر ديوانه ( 100 ) ، البحر 3 / 137 . المذاكي : الخيول . المسنفات : مفردها المسنفة وهي المتقدمة ، القلائص : مفردها القلوص وهي الناقة الشابة وأراد بها هنا الخيول الفتية . ( 3 ) انظر البحر المحيط 3 / 137 . ( 4 ) سورة آل عمران ، آية ( 178 ) . ( 5 ) سورة آل عمران ، آية ( 169 ) .