أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

273

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ومع غرابة هذا التخريج وتطويله بالنظير والتقدير فيه نظر ، وذلك أنّ النحويين نصّوا على أنه إذا أعملنا الثاني ، واحتاج الأول إلى ضمير المتنازع فيه ، فإن كان يطلبه مرفوعا أضمر فيه وإن كان يطلبه غير مرفوع حذف ، إلّا أن يكون أحد مفعولي « ظنّ » فلا يحذف ، بل يضمر ويؤخّر ، وعلّلوا ذلك بأنه لو حذف لبقي خبر دون مخبر عنه أو بالعكس ، هذا مذهب البصريين ، وفيه بحث ، فإنّ لقائل أن يقول : حذف اختصارا لا اقتصارا ، وأنتم تجيزون حذف إحداهما اختصارا في غير التنازع فليجز في تنازع إذ لا فارق ، وحينئذ يقوى تخريج الشيخ بهذا البحث أو يلتزم القول بمذهب الكوفيين فإنهم يجيزون الحذف فيما نحن فيه . وذكر مكي ترجيح كلّ من القراءتين فقال : وميراث مصدر كالميعاد ، وياؤه من واو ، قلبت لانكسار ما قبلها وهي ساكنة لأنّها من الوراثة كالميقات والميزان من الوقت والوزن . وقرأ أبو عمرو وابن كثير : « يعملون » بالغيبة جريا على قوله : « الَّذِينَ يَبْخَلُونَ » ، والباقون بالخطاب ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه التفات ، فالمراد الذين يبخلون . والثاني : ردّا على قوله : « وإن تؤمنوا وتتقوا » . قوله تعالى : قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ : العامل في « إِنَّ » هو « قالُوا » ف « إِنَّ » وما في حيّزهنا منصوب المحل ب « قالُوا » لا بالقول . وأجاز أبو البقاء أن تكون المسألة من باب التنازع - أعني بين المصدر وهو « قَوْلَ » وبين الفعل وهو « قالُوا » - تنازعا في « إِنَّ » وما في حيّزها ، قال : « ويجوز أن يكون معمولا ل « قول » المضاف لأنه مصدر ، وهذا تخريج على قول الكوفيين في إعمال الأول وهو قول ضعيف ، ويزداد هنا ضعفا بأن الثاني فعل والأول مصدر ، وإعمال الفعل أقوى » . وظاهر كلامه أنّ المسألة من التنازع ، وإنما الضعف عنده من جهة إعمال الأول فلو قدّرنا إعمال الثاني كان ينبغي أن يجوز عنده ، لكنه يمنع من ذلك مانع آخر وهو : أنه إذا احتاج الثاني إلى ضمير المتنازع فيه أخذه ولا يجوز حذفه ، وهو هنا غير مذكور ، فدل على هذا أنها عنده ليست من التنازع إلا على قول الكوفيين ، وهو ضعيف كما ذكر . وانظر كيف أكّدوا الجملة المشتملة على ما أسندوه إليه تعالى وإلى عدم ذلك فيما أسندوه لأنفسهم كأنه عند الناس أمر معروف . قوله : سَنَكْتُبُ قرأ حمزة بالياء مبنيا لما لم يسمّ فاعله ، و « ما » وصلتها قائم مقام الفاعل . و « قَتْلَهُمُ » بالرفع عطفا على الموصول ، و « يقول » بياء الغيبة . والباقون بالنون للمتكلم العظيم ، ف « ما » منصوبة المحلّ ، و « قَتْلَهُمُ » بالنصب عطفا عليها ، و « نَقُولُ » بالنون أيضا . وقرأ طلحة بن مصرف : « ستكتب » بتاء التأنيث على تأويل « ما قالُوا » بمقالتهم . وقرأ ابن مسعود - وكذلك هي في مصحفه - : « سنكتب ما يقولون ويقال » . والحسن والأعرج : « سيكتب » بالغيبة مبنيا للفاعل أي : اللّه تعالى أو الملك ، و « ما » في جميع ذلك يجوز أن تكون موصولة اسمية - وهو الظاهر - وحذف العائد لاستكمال شروط الحذف تقديره : سنكتب الذي يقولونه . ويجوز أن تكون مصدرية أي : قولهم ، ويراد به إذ ذاك المفعول به أي : مقولهم ، كقولهم : « ضرب الأمير » . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 182 إلى 183 ] ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 182 ) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 183 )