أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
272
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وأمّا قراءة الجماعة فيجوز فيها أن يكون الفعل مسندا إلى ضمير غائب : إمّا الرسول أو حاسب ما ، ويجوز أن يكون مسندا إلى « الَّذِينَ » ، فإن كان مسندا إلى ضمير غائب ف « الَّذِينَ » مفعول أول على حذف مضاف كما تقدّم ذلك في قراءة حمزة أي : بخل الذين ، والتقدير : ولا يحسبنّ الرسول - أو أحد - بخل الذين يبخلون خيرا . و « هُوَ » فصل كما تقدّم ، فتتحد القراءتان معنى وتخريجا . وإن كان مسندا ل « الَّذِينَ » ففي المفعول الأول وجهان : أحدهما : أنه محذوف لدلالة « يَبْخَلُونَ » عليه كأنه قيل : « ولا يحسبنّ الباخلون بخلهم هو خيرا لهم » و « هُوَ » فصل . قال ابن عطية : ودلّ على هذا البخل « يَبْخَلُونَ » كما دلّ « السّفه » في قوله : 1507 - إذا نهي السّفيه جرى إليه * وخالف والسّفيه إلى خلاف « 1 » أي : جرى إلى السفه » . قال الشيخ « 2 » : « وليست الدلالة فيها سواء لوجهين : أحدهما : أنّ دلالة الفعل على المصدر أقوى من دلالة اسم الفاعل عليه وأكثر ، ولا يوجد ذلك إلا في هذا البيت أو غيره إن ورد . الثاني : أنّ البيت فيه إضمار لا حذف ، والآية فيها حذف . الوجه الثاني : أنّ المفعول نفس « هو » ، وهو ضمير البخل الذي دلّ عليه « يَبْخَلُونَ » كقوله : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى « 3 » ، قاله أبو البقاء ، وهو غلط أيضا ؛ لأنه ينبغي أن يأتي به بصيغة المنصوب فيقول : « إياه » لكونه منصوبا ب « يَحْسَبَنَّ » ، ولا ضرورة بنا إلى أن ندّعي أنه من باب استعارة ضمير الرفع مكان النصب كقولهم « ما أنا كأنت ، ولا أنت كأنا » فاستعار ضمير الرفع مكان ضمير الجر . وفي الآية وجه آخر غريب خرّجه الشيخ « 4 » قال : « وهو أن تكون المسألة من باب الإعمال إذا جعلنا الفعل مسندا ل « الَّذِينَ » ، وذلك أنّ « يَحْسَبَنَّ » يطلب مفعولين و « يَبْخَلُونَ » يطلب مفعولا بحرف جر ، فقوله : « ما آتاهم اللّه من فضله » يطلبه « يَحْسَبَنَّ » مفعولا أول ويكون « هُوَ » فضلا ، و « خَيْراً » المفعول الثاني ، ويطلبه « يَبْخَلُونَ » بتوسّط حرف الجر ، فأعمل الثاني - على الأفصح وعلى ما جاء في القرآن - وهو « يَبْخَلُونَ » فعدّي بحرف الجر ، وأخذ معموله ، وحذف معمول « يَحْسَبَنَّ » الأول وبقي معموله الثاني ، لأنه لم يتنازع فيه ، وإنما جاء التنازع في الأول ، وساغ حذفه وحده كما ساغ حذف المفعولين في مسألة سيبويه « 5 » : « متى رأيت أو قلت : زيد منطلق » ف « رأيت » و « قلت » : تنازعا فيه « زيد منطلق » وفي الآية لم يتنازعا إلا في الأول ، وتقدير المعنى : « ولا يحسبنّ ما آتاهم اللّه من فضله هو خيرا لهم الناس الذين يبخلون به » فعلى هذا التقدير يكون « هُوَ » فصلا ل « ما آتاهم » المحذوف لا لبخلهم المقدّر في قول الجماعة ، ونظير هذا التركيب : « ظنّ الذي مرّ بهند هي المنطلقة » المعنى : ظنّ هندا الشخص الذي مرّ بها هي المنطلقة » فالذي تنازعه الفعلان هو المفعول الأول ، فأعمل الفعل الثاني فيه ، وبقي الأول يطلبه محذوفا ويطلب الثاني مثبتا إذ لم يقع فيه التنازع . انتهى .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر البحر المحيط 3 / 128 . ( 3 ) سورة المائدة ، آية ( 8 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط 3 / 128 . ( 5 ) انظر الكتاب 1 / 41 .