أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
252
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أمّا جعله « لَمَّا » بمعنى « حين » أي ظرفا فهو مذهب الفارسي ، وقد تقدّم تقرير المذهبين ، وأمّا قوله : « عطف على قصة أحد » ؛ فهذا غير مذهبه ؛ لأنّ الجاري من مذهبه إنما هو تقدير جملة يعطف ما بعد الواو عليها أو الفاء أو ثم كما قرّره هو في الوجه الثاني . و أَنَّى هذا أنّى : بمعنى « من أين » كما تقدّم في قوله « أَنَّى لَكِ هذا » « 1 » . ويدلّ عليه قوله : مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ و ( من عن اللّه ) قاله الزمخشري . وردّ عليه الشيخ « 2 » بأنّ الظرف إذا وقع خبرا لا يقدّر داخلا عليه حرف جر غير « في » ، أمّا أن يقدّر داخلا عليه « من » فلا ، لأنه إنما انتصب على إسقاط « في » ولذلك إذا أضمر الظرف تعدّى إليه الفعل ب « في » إلّا أن يتّسع فيه . قال : « فتقديره غير سائغ واستدلاله بقوله : « مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ » و « مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » * وقوف مع مطابقة السؤال للجواب في اللفظ وذهول عن هذه القاعدة » . واختار الشيخ أنّ « أَنَّى » بمعنى « كيف » قال : « وأنّى سؤال عن الحال هنا ، ولا تناسب أن تكون بمعنى « أين » أو « متى » ؛ لأنّ الاستفهام لم يقع عن مكان ولا زمان هنا ، إنما وقع عن الحال التي اقتضت لهم ذلك ، سألوا عنها على سبيل التعجّب ، وجاء الجواب من حيث المعنى لا من حيث اللفظ في قوله : « قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ » . قال : والسؤال ب « أنّى » سؤال عن تعيين كيفية حصول هذا الأمر ، والجواب بقوله : « مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ » يتضمّن تعيين الكيفية ، لأنه بتعيين السبب تتعيّن الكيفية من حيث المعنى ، ولو قيل على سبيل التعجب : كيف لا يحجّ زيد الصالح ! ! فقيل في جوابه : « لعدم استطاعتهه » لحصل الجواب وانتظم من المعنى أنه لا يحجّ وهو غير مستطيع » انتهى . أمّا قوله : « لا يقدّر الظرف بحرف جر غير « في » فالزمخشري لم يقدّر « في » مع « أَنَّى » حتى يلزمه ما قال ، إنما جعل « أَنَّى » بمنزلة « من أين » في المعنى . وأمّا عدوله عن الجواب المطابق لفظا فالعكس أولى . وقوله : قَدْ أَصَبْتُمْ في محلّ رفع صفة ل « مُصِيبَةٌ » . و « قُلْتُمْ » على مذهب سيبويه « 3 » جواب ل « لمّا » ، وعلى مذهب الفارسي ناصب لها ، على حسب ما تقدّم من مذهبيهما . والضمير في قوله « قل » هو راجع على المصيبة من حيث المعنى . ويجوز أن يكون على حذف مضاف مراعى أي : سببها ، وكذلك الإشارة بقوله : « أَنَّى هذا » لأنّ المراد المصيبة . قوله تعالى : وَما أَصابَكُمْ : « ما » موصولة بمعنى الذي في محلّ رفع بالابتداء . و فَبِإِذْنِ اللَّهِ الخبر ، وهو على إضمار تقديره : فهو بإذن اللّه ، ودخلت الفاء في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط نحو : « الذي يأتيني فله درهم » وهذا على ما قرّره الجمهور مشكل ، وذلك أنهم قرّروا أنه لا يجوز دخول هذه الفاء زائدة في الخبر إلا بشروط ، منها أن تكون الصلة مستقبلة في المعنى ، وذلك لأنّ الفاء إنما دخلت للشبه بالشرط ، والشرط إنما يكون في الاستقبال لا في الماضي ، لو قلت : « الذي أتاني أمس فله درهم » لم يصحّ ، و « أَصابَكُمْ » هنا ماض في المعنى لأنّ القصة ماضية فكيف جاز دخول هذه الفاء ؟ وأجابوا عنه بأنه يحمل على التبيين أي : « وما تبيّن إصابته إياكم » كما تأوّلوا : إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ « 4 » أي : إن تبيّن ، وهذا شرط صريح . قلت : وإذا صح هذا التأويل فلتجعل « ما » شرطا صريحا ، وتكون الفاء داخلة وجوبا لكونها
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 37 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط 3 / 107 . ( 3 ) انظر الكتاب 2 / 311 . ( 4 ) سورة يوسف ، آية ( 26 ) .