أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

253

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

واقعة جوابا للشرط . وقال ابن عطية : « يحسن دخول الفاء إذا كان سبب الإعطاء ، وكذلك ترتيب هذه ، فالمعنى إنما هو : وما أذن اللّه فيه فهو الذي أصابكم ، لكن قدّم الأهمّ في نفوسهم والأقرب إلى حسّهم . والإذن : التمكين من الشيء مع العلم به » وهذا حسن من حيث المعنى ، فإنّ الإصابة مترتبة على الإذن من حيث المعنى . وأشار بقوله « الأهمّ والأقرب » إلى ما أصابهم يوم التقى الجمعان . قوله : وَلِيَعْلَمَ في هذه اللام قولان : أحدهما : أنها معطوفة على معنى قوله : « فَبِإِذْنِ اللَّهِ » عطف سبب على سبب ، فتتعلّق بما تتعلّق به الباء . والثاني : أنها متعلقة بمحذوف أي : وليعلم فعل ذلك ، أي : أصابكم . والأول أولى ، وقد تقدّم أنّ معنى « وليعلم الله » أي تمييزا ويظهر للناس ما كان في علمه . وزعم بعضهم أن ثم مضافا أي : ليعلم إيمان المؤمنين ونفاق الذين ، ولا حاجة إليه . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 167 ] وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ( 167 ) قوله تعالى : ( وقيل لهم قاتلوا : ) هذه الجملة تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون استئنافية ، أخبر اللّه تعالى أنهم مأمورون : إمّا بالقتال وإمّا بالدّفع أي : تكثير سواد المسلمين . والثاني : أن تكون معطوفة على « نافَقُوا » ، فتكون داخلة في حيّز الموصول أي : وليعلم الذين حصل منهم النفاق والقول بكذا ، و « تَعالَوْا » و « قاتِلُوا » كلاهما قائم مقام الفاعل ل « قِيلَ » لأنه هو المقول ، وقد تقدّم ما فيه . قال أبو البقاء : « وإنما لم يأت بحرف العطف - يعني بين تعالوا وقاتلوا - لأنه قصد أن تكون كلّ من الجملتين مقصودة بنفسها ، ويجوز أن يقال إنّ المقصود هو الأمر بالقتال ، و « تَعالَوْا » ذكر ما لو سكت عنه لكان في الكلام ما يدلّ عليه ، وقيل : الأمر الثاني حال » . يعني بقوله : « وتعالوا ذكر ما لو سكت » أي : المقصود إنما هو أمرهم بالقتال لا مجيئهم وحده ، وجعله « قاتِلُوا » حالا من « تَعالَوْا » فاسد ؛ لأنّ الجملة الحالية يشترط أن تكون خبرية وهذه طلبية . قوله : أَوِ ادْفَعُوا « أَوِ » هنا على بابها من التخيير والإباحة . وقيل : بمعنى الواو لأنه طلب منهم القتال والدفع ، والأول هو الصحيح . وقوله : قالُوا : لَوْ نَعْلَمُ إنما لم يأت في هذه الجملة بحرف عطف لأنها جواب لسؤال سائل : كأنه قيل : فما قالوا لمّا قيل لهم ذلك ؟ فأجيب بأنهم قالوا ذلك . و « نَعْلَمُ » وإن كان مضارعا فمعناه المضيّ لأن « لَوْ » تخلّص المضارع - إذ كانت لما سيقع لوقوع غيره - [ للمضيّ ] . ونكّر « قِتالًا » للتعليل أي : لو علمنا بعض قتال ما . قوله : ( هم للكفر أقرب ) « هُمْ » مبتدأ و « أَقْرَبُ » خبره ، وهو أفعل تفضيل ، و « لِلْكُفْرِ » متعلق به ، وكذلك « لِلْإِيمانِ » . فإن قيل : لا يتعلّق حرفا جر متحدان لفظا ومعنى بعامل واحد ، إلّا أن يكون أحدهما معطوفا على الآخر أو بدلا منه ، فكيف تعلّقا ب « أَقْرَبُ » ؟ فالجواب أنّ هذا خاصّ بأفعل التفضيل قالوا : لأنه في قوة عاملين ، فإنّ قولك : « زيد أفضل من عمرو » معناه : يزيد فضله على فضل عمر . وقال أبو البقاء : « وجاز أن يعمل « أَقْرَبُ » فيهما وهما يشبهان