أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

246

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« وليته كان يغنيه عن هذا الارتباك والتسلّق إلى ما لا يحسنه قول الزجاج في « ما » هذه إنها صلة فيها معنى التوكيد بإجماع النحويين » انتهى . وليس لقائل أن يقول له : أن يجعلها غير مضافة ولا يجعل « رَحْمَةٍ » بدلا حتى يلزم إعادة حرف الاستفهام بل يجعلها صفة ؛ لأنّ « ما » الاستفهامية لا توصف ، وكأنّ من يدّعي فيها أنها غير مزيدة يفرّ من هذه العبارة في كلام اللّه تعالى ، وإليه ذهب أبو بكر الزبيدي ، كان لا يجوّز أن يقال في القرآن : « هذا زائد » أصلا . وهذا فيه نظر ، لأنّ القائلين بكون هذا زائدا لا يعنون أنه يجوز سقوطه ولا أنه مهمل لا معنى له ، بل يقولون : زائد للتوكيد ، فله أسوة بسائر ألفاظ التوكيد الواقعة في القرآن ، و « ما » كما تزاد بين الباء ومجرورها تزاد أيضا بين « عن » و « من » والكاف ومجرورها كما سيأتي . وقال مكي : « ويجوز أن ترتفع « رَحْمَةٍ » على أن تجعل « ما » بمعنى الذي ، وتضمر « هو » في الصلة وتحذفها كما قرىء : « تماما على الذي أحسن » « 1 » وقوله : « ويجوز » يعني من حيث الصناعة ، وأمّا كونها قراءة فلا أحفظها . والفظاظة : الجفوة في المعاشرة قولا وفعلا . قال : 1489 - أخشى فظاظة عمّ أو جفاء أخ * وكنت أخشى عليها من أذى الكلم « 2 » والغلظ : تكثير الأجزاء ، ثم تجوّز به في عدم الشفقة وكثرة القسوة في القلب قال : 1490 - يبكى علينا ولا نبكي على أحد * لنحن أغلظ أكبادا من الإبل « 3 » وقال الراغب : الفظّ كريه الخلق وذلك مستعار من الفظّ وهو ماء الكرش ، وذلك مكروه شربه إلا في ضرورة » ، قال : « الغلظة : ضدّ الرّقة ، ويقال : غلظة وغلظة أي بالكسر والضم » وعن الغلظة تنشأ الفظاظة فلم قدّمت ؟ فقيل : قدّم ما هو ظاهر للحسّ على ما هو خاف في القلب ، لأنه كما تقدّم أنّ الفظاظة : الجفوة في العشرة قولا وفعلا ، والغلظ : قساوة القلب ، وهذا أحسن من قول من جعلهما بمعنى ، وجمع بينهما تأكيدا . والانفضاض : التفرّق في الأجزاء وانتشارها ومنه : « فضّ ختم الكتاب » ثم استعير عنه « انفضاض الناس » ونحوهم . وقوله : فَاعْفُ عَنْهُمْ إلى آخره جاء على أحسن النسق ، وذلك أنه أمر أولا بالعفو عنهم فيما يتعلّق بخاصة نفسه ، فإذا انتبهوا إلى هذا المقام أمر أن يستغفر لهم ما بينهم وبين اللّه تعالى لتنزاح عنهم التّبعتان ، فلمّا صاروا إلى هذا أمر بأن يشاورهم في الأمر إذا صاروا خالصين من التّبعتين مصفّين منهما ، والأمر هنا وإن كان عاما فالمراد به الخصوص ، قال أبو البقاء « إذ لم يؤمر بمشاورتهم في الفرائض ، ولذلك قرأ ابن عباس : « في بعض الأمر » . وهذا تفسير لا تلاوة . وقوله : فَإِذا عَزَمْتَ الجمهور على فتح التاء خطابا له عليه السّلام . وقرأ عكرمة وجعفر الصادق بضمها ، على أنها للّه تعالى على معنى : فإذا أرشدتك إليه وجعلتك تقصده ، وجاء قوله : « عَلَى اللَّهِ » من الالتفات ، إذ لو جاء على نسق

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 154 ) . ( 2 ) البيت لإسحاق بن خلف انظر الحماسة 1 / 165 ، البحر 3 / 81 . ( 3 ) تفسير القرطبي 4 / 248 .