أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
247
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
هذا الكلام لقيل : فتوكّل عليّ ، وقد نسب العزم إليه تعالى في قول أم سلمة : « ثم عزم اللّه لي » « 1 » وذلك على سبيل المجاز . وقوله : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ جار مجرى العلة الباعثة على التوكيل عند الأخذ في كلّ الأمر . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 160 إلى 161 ] إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 160 ) وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 161 ) قوله تعالى : إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ : شرط وجوابه . وقوله : « وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ » مثله ، وهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب ، كذا قاله الشيخ « 2 » ، يعني من الغيبة في قوله : « لِنْتَ لَهُمْ » و « لَانْفَضُّوا » و « فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ » . وفيه نظر . وجاء قوله : « فَلا غالِبَ » جوابا للشرط وهو نفي صريح ، وقوله فَمَنْ ذَا الَّذِي وهو متضمّن للنفي جوابا للشرط الثاني تلطّفا بالمؤمنين حيث صرّح لهم بعدم الغلبة في الأول ، ولم يصرّح لهم بأنه لا ناصر لهم في الثاني ، بل أتى في صورة الاستفهام وإن كان معناه نفيا . وقوله : فَمَنْ ذَا الَّذِي قد تقدّم مثله في البقرة « 3 » وأقوال الناس فيه . والهاء في « مِنْ بَعْدِهِ » فيها وجهان : أحدهما - وهو الأظهر - أنها تعود على اللّه تعالى ، وفيه احتمالان : أحدهما : أن يكون ذلك على حذف مضاف أي : من بعد خذلانه . والثاني : أنه لا يحتاج إلى ذلك ، ويكون معنى الكلام : إنكم إذا جوّزتموه إلى غيره وقد خذلكم فمن تجاوزون إليه وينصركم ؟ والوجه الثاني : أن تعود على الخذلان المفهوم من الفعل وهو نظير : « اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ » « 4 » . وقوله : وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ إنّما قدّم الجارّ ليؤذن بالاختصاص أي : ليخصّ المؤمنون ربّهم بالتوكّل عليه والتفويض لعلمهم أنه لا ناصر لهم سواه ، وهو معنى حسن ذكره الزمخشري . وقرأ الجمهور : « يَخْذُلْكُمْ » بفتح الياء من « خذله » ثلاثيا ، وقرأ عبيد بن عمير : « يخذلكم » بضمها من أخذل رباعيا ، والهمزة فيه لجعل الشيء ، أي : يجعلكم مخذولين . قوله تعالى : وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ : [ « أَنْ يَغُلَّ » في محلّ رفع اسم كان ، و « لِنَبِيٍّ » خبر مقدم ] أي : ما كان له غلول أو إغلال على حسب القراءتين . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بفتح الياء وضم الغين من « غلّ » مبنيا للفاعل ، ومعناه : أنه لا يصحّ أن يقع من النبي غلول لتنافيهما ، فلا يجوز أن يتوهّم ذلك فيه البتة . وقرأ الباقون « يغلّ » مبنيّا للمفعول . وهذه القراءة فيها احتمالان : أحدهما : أن يكون من « غلّ » ثلاثيا ، والمعنى : ما صحّ لنبيّ أن يخونه غيره ويغلّه ، فهو نفي في معنى النهي أي : لا يغلّه أحد .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم 2 / 633 ، كتاب الجنائز ( 5 - 918 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط 3 / 100 . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 255 ) . ( 4 ) سورة المائدة ، آية ( 8 ) .