أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
245
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
1487 - لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم * ليعلم ربّي أنّ بيتي واسع « 1 » فجاء باللام دون النون ، والبصريون يجعلونه ضرورة . فإن فصل بين اللام بالمعمول كهذه الآية أو ب « قد » نحو : « واللّه قد أقوم » وقوله : 1488 - كذبت لقد أصبي على المرء عرسه * . . . « 2 » أو بحرف تنفيس نحو : « وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ » « 3 » فلا يجوز توكيده حينئذ بالنون . قال الفارسي : « دخلت النون فرقا بين لام الميمين ولام الابتداء ، ولام الابتداء لا تدخل على الفضلة ، فبدخول لام اليمين على الفضلة حصل الفرق فلم يحتج إلى النون ، وبدخولها على « سوف » حصل الفرق أيضا فلا حاجة إلى النون ، ولام الابتداء لا تدخل على الفعل إلا إذا كان حالا ، أمّا مستقبلا فلا » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 159 ] فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( 159 ) قوله تعالى : فَبِما : في « ما » وجهان : أحدهما : أنها زائدة للتوكيد والدلالة على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من اللّه ، ونظيره : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ « 4 » . والثاني : أنها غير مزيدة ، بل هي نكرة وفيها وجهان : أحدهما : أنها موصوفة برحمة ، أي : فبشيء رحمة . والثاني : أنها غير موصوفة ، و « رَحْمَةٍ » بدل منها ، نقله مكي عن ابن كيسان . ونقل أبو البقاء عن الأخفش وغيره أنها نكرة غير موصوفة ، و « رَحْمَةٍ » بدل منها ، كأنه أبهم ثم بيّن بالإبدال . وجوّز بعض الناس - وعزاه الشيخ « 5 » لابن خطيب الريّ - أنّ « ما » استفهامية للتعجب تقديره : فبأي رحمة لنت لهم ، وذلك فإنّ جنايتهم لمّا كانت عظيمة - ثم إنه ما أظهر تغليظا في القول ولا خشونة في الكلام - علموا أنّ ذلك لا يتأتّى إلا بتأييد ربّاني قبل ذلك . وردّ عليه الشيخ هذا بأنه لا يخلو : إمّا أن تجعل « ما » مضافة إلى « رَحْمَةٍ » ، وهو ظاهر تقديره كما حكاه عنه ، فيلزم إضافة « ما » الاستفهامية ، وقد نصّوا على أنه لا يضاف من أسماء الاستفهام إلا « أيّ » اتفاقا ، و « كم » عند الزجاج ، وإمّا أن لا تجعلها مضافة ، فتكون « رَحْمَةٍ » بدلا منها ، وحينئذ يلزم إعادة حرف الاستفهام في البدل كما تقرّر في علم النحو ، وأنحى عليه في كلامه فقال :
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) صدر بيت لامرىء القيس وعجزه : وأمنع عرس أن يزنّ بها الخالي انظر ديوانه ( 28 ) ، البحر المحيط 3 / 197 . ( 3 ) سورة الضحى ، آية ( 4 ) . ( 4 ) سورة النساء ، آية ( 155 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط 3 / 98 .