أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

244

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : « مِمَّا يَجْمَعُونَ » موصولة اسمية والعائد محذوف ، ويجوز أن تكون مصدرية ، وعلى هذا فالمفعول محذوف أي : من جمعكم المال ونحوه . وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم : مُتُّمْ و مِتُّ « 1 » : وبابه بضم الميم ، ووافقهم حفص هنا خاصة في الموضعين ، والباقون بالكسر . فأمّا الضم فلأنه فعل بفتح العين من ذوات الواو ، وكل ما كان كذلك فقياسه إذا أسند إلى ياء المتكلم وأخواتها أن تضم فاؤه إمّا من أول وهلة ، وإمّا بأن نبدل الفتحة ضمة ثم ننقلها إلى الفاء على اختلاف بين التصريفيين ، فيقال في « قام وقال وطال » : قمت وقمنا وقمن وطلت وطلن وما أشبه ، ولهذا جاء مضارعه على يفعل وبضم العين نحو : يموت . وأما الكسر فالصحيح من قول أهل العربية أنه من لغة من يقول : مات يمات كخاف يخاف ، والأصل موت بكسر العين كخوف فجاء مضارعه على يفعل بفتح العين : قال الشاعر : 1485 - بنيّتي سيّدة البنات * عيشي ولا يؤمن أن تماتي « 2 » فجاء بمضارعه على يفعل بالفتح ، فعلى هذه اللغة يلزم أن يقال في الماضي المسند إلى التاء وإحدى أخواتها : « متّ » بالكسر ليس إلا ، وهو أنّا نقلنا حركة الواو إلى الفاء بعد سلب حركتها دلالة على بنية الكلمة في الأصل . وهذا أولى من قول من يقول : إنّ « متّ » بالكسر مأخوذ من لغة من يقول : « يموت » بالضم في المضارع ، وجعلوا ذلك شاذا في القياس كثيرا في الاستعمال كالمازني وأبي علي الفارسي ، ونقله بعضهم عن سيبويه « 3 » صريحا ، وإذا ثبت ذلك لغة فلا معنى إلى ادّعاء الشذوذ فيه . وأمّا حفص فجمع بين اللغتين . وقرأ الجماعة : تجمعون بالخطاب جريا على قوله : وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ ، وحفص بالغيبة : إمّا على الرجوع على الكفار المتقدمين ، وإما على الالتفات من خطاب المؤمنين . وهذه ثلاثة مواضع : تقدّم الموت على القتل في الأول منها وفي الأخير ، والقتل على الموت في المتوسط ، وذلك أنّ الأول لمناسبة ما قبله من قوله : « إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى » فرجع الموت لمن ضرب في الأرض ، والقتل لمن غزا ، وأما الثاني فلأنه محلّ تحريض على الجهاد فقدّم الأهمّ الأعرف ، وأمّا الآخر فلأنّ الموت أغلب . وقوله : لَإِلَى اللَّهِ اللام جواب القسم فهي داخلة على « تُحْشَرُونَ » و « إلى اللّه » متعلق به ، وإنما قدّم للاختصاص أي : إلى اللّه لا إلى غيره يكون حشركم ، أو للاهتمام ، وحسّنه كونه فاصلة ، ولولا الفصل لوجب توكيد الفعل بنون ، لأنّ المضارع المثبت إذا كان مستقبلا وجب توكيده مع اللام خلافا للكوفيين ، حيث يجيزون التعاقب بينهما ، كقوله : 1486 - وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّه * . . . « 4 » فجاء بالنون دون اللام ، وقوله :

--> ( 1 ) سورة مريم ، آية ( 23 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) انظر الكتاب 2 / 361 . ( 4 ) صدر بيت لعامر بن الطفيل وعجزه : . . . * فرغ وإنّ أخاكم لم يقصد انظر ديوانه ( 145 ) ، الهمع 2 / 42 ، الدرر 2 / 47 . المفضليات ( 364 ) .