أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
243
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
باللام في « ليكون لهم عدوّا » ، ومذهبه في تيك أنها للعلة بالتأويل المذكور . والجعل هنا بمعنى التصيير ، و « حَسْرَةً » مفعول ثان ، و « فِي قُلُوبِهِمْ » يجوز أن يتعلّق بالجعل - وهو أبلغ - أو بمحذوف على أنه صفة للنكرة قبله . واختلف في المشار إليه بذلك : فعن الزجاج : هو الظن ، ظنوا أنهم لو لم يحضروا لم يقتلوا . وقال الزمخشري : « هو النطق بالقول والاعتقاد » . وقريب منه قول ابن عطية ، وأجاز ابن عطية أيضا أن يكون للنهي والانتهاء معا . وقيل هو مصدر « قال » المدلول عليه به . « وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ » قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي : « يعملون » بالغيبة ردّا على الذين كفروا ، والباقون بالخطاب ردّا على قوله : « لا تَكُونُوا » فهو خطاب للمؤمنين . وجاء هنا بصفة البصر ، قال الراغب : « علّق ذلك بالبصر لا بالسمع ، وإن كان الصادر منهم قولا مسموعا لا فعلا مرئيا ، لمّا كان ذلك القول من الكافر قصدا منه إلى عمل يحاوله ، فخصّ البصر بذلك ، كقولك لمن يقول شيئا وهو يقصد فعلا يحاوله : « أنا أرى ما تفعله » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 157 إلى 158 ] وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 157 ) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ( 158 ) قوله تعالى : وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ : اللام هي الموطّئة لقسم محذوف ، وجوابه قوله : لَمَغْفِرَةٌ وحذف جواب الشرط لسدّ جواب القسم مسدّه لكونه دالّا عليه ، وهو الذي عناه الزمخشري بقوله : « وهو سادّ مسدّ جواب الشرط » ولا يعني بذلك أنّه من غير حذف . واللام لام الابتداء ، وهي وما بعدها جواب القسم كما تقدم . و « مغفرة » فيها وجهان : أظهرهما : أنها مرفوعة بالابتداء ، والمسوّغات هنا كثيرة : لام الابتداء والعطف عليها في قوله : « وَرَحْمَةٌ » ووصفها ، فإنّ قوله : « مِنَ اللَّهِ » صفة لها ، ويتعلق حينئذ بمحذوف ، و « خَيْرٌ » خبر عنها . والثاني : أن تكون مرفوعة على خبر ابتداء مضمر ، إذا أريد بالمغفرة والرحمة القتل أو الموت في سبيل اللّه ، لأنهما مقترنان بالموت في سبيل اللّه ، فيكون التقدير : فلذلك - أي الموت أو القتل في سبيل اللّه - مغفرة ورحمة خير ، ويكون « خَيْرٌ » صفة لا خبرا ، وإلى هذا نحا ابن عطية فإنه قال : « وتحتمل الآية أن يكون قوله : « لَمَغْفِرَةٌ » إشارة إلى الموت أو القتل في سبيل اللّه ، فسمّى ذلك مغفرة ورحمة ، إذ هما مقترنان به ، ويجيء التقدير : فلذلك مغفرة ورحمة ، وترتفع المغفرة على خبر الابتداء المقدر ، وقوله : « خَيْرٌ » صفة لا خبر ابتداء » انتهى . ولكنّ الوجه الأول أظهر ، و « خَيْرٌ » هنا على بابها من كونها للتفضيل ، وعن ابن عباس : « خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء » . وقوله : وَرَحْمَةٌ أي : ورحمة من اللّه ، فحذفت صفتها لدلالة الأولى عليها ، ولا بدّ من حذف آخر مصحّح للمعنى ، تقديره : لمغفرة من اللّه لكم ورحمة منه لكم . وجاء بالمغفرة والرحمة نكرتين إيذانا بأنّ أدنى خير وأقلّ شيء خير من الدنيا وما فيها الذي يجمعونه ، وهو نظير وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ « 1 » ، والتنكير قد يشعر بالتقليل ، و « ما » في
--> ( 1 ) سورة التوبة ، آية ( 72 ) .