أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
240
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بالظن ؟ قلت : كانت مسألتهم صادرة عن الظن فلذلك جاز إبداله منه ، و « يُخْفُونَ » حال من « يَقُولُونَ » ، و « قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ » اعتراض بين الحال وذي الحال ، و « يَقُولُونَ » بدل من « يُخْفُونَ » ، والأجود أن يكون استئنافا » انتهى كلامه . وهذا من أبي القاسم بناء على أن الخبر محذوف كما قدّمت لك تقريره في : « ومنكم طائفة » لأنه موضع تفصيل . قوله : لَبَرَزَ جاء على الأفصح ، وهو ثبوت اللام في جوابها مثبتا ، والجمهور « لَبَرَزَ » مخففا مبنيا للفاعل ، وأبو حيوة : « لبرّز » مشددا مبنيا للمفعول ، عدّاه بالتضعيف . وقرىء « كتب » مبنيا للفاعل وهو اللّه تعالى « 1 » ، « الْقَتْلُ » مفعولا به ، والحسن : « القتال » رفعا . قوله : وَلِيَبْتَلِيَ فيه خمسة أوجه : أحدها : أنه متعلق بفعل قبله ، تقديره : فرض اللّه عليكم القتال ولم ينصركم يوم أحد ليبتلي ما في صدوركم . وقيل : بفعل بعده ، أي : ليبتلي فعل هذه الأشياء . وقيل : الواو زائدة واللام متعلقة بما قبلها ، وقيل : « وَلِيَبْتَلِيَ » عطف على « لِيَبْتَلِيَ » الأولى ، وإنما كرّرت لطول الكلام ، فعطف عليه « وَلِيُمَحِّصَ » قاله ابن بحر . وقيل : هو عطف على علة محذوفة تقديره : ليقضي اللّه أمره وليبتلي ، وجعل متعلّق الابتلاء ما انطوى عليه الصدور ، والذي انطوى عليه الصدر هو القلب ، لقوله : الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ « 2 » ، وجعل متعلّق التمحيص - وهو التصفية - ما في القلب وهو النيّات والعقائد . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 155 إلى 156 ] إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 155 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 156 ) وقوله تعالى : الْجَمْعانِ : إنما ثنّي - وإن كان اسم جمع وقد نصّ النحاة على أنه لا يثنّى ولا يجمع إلا شذوذا - لأنه أريد به النوع ، فإنّ المعنى : جمع المؤمنين وجمع المشركين ، فلما أريد به ذلك ثنّي كقوله : 1482 - وكلّ رفيقي كلّ رحل وإن هما * تعاطى القنا قوما هما أخوان « 3 » والسين في « اسْتَزَلَّهُمُ » للطلب ، والظاهر أن استفعل هنا بمعنى أفعل لأنّ القصة تدلّ عليه ، فالمعنى حملهم على الزلة ، ويكون كاستبلّ وأبلّ . قوله تعالى : إِذا ضَرَبُوا : « إِذا » ظرف مستقبل فلذلك اضطربت أقوال المعربين هنا من حيث إنّ العامل فيها : « قالُوا » وهو ماض ، فقال الزمخشري : « فإن قلت : كيف قيل « إِذا ضَرَبُوا » مع « قالُوا » ؟ قلت : هو حكاية حال ماضية كقولك « حين يضربون في الأرض » . وقال أبو البقاء بعد قوله قريبا من قول الزمخشري : « ويجوز أن يكون « كفروا »
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 90 . ( 2 ) سورة الحج ، آية ( 46 ) . ( 3 ) البيت للفرزدق انظر ديوانه ( 870 ) ، المغني 215 ، الدرر 2 / 90 ، اللسان ( يدي ) .