أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

241

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

و « قالُوا » ماضيين ، ويراد بهما المستقبل المحكيّ به الحال ، فعلى هذا يكون التقدير : « يكفرون ويقولون » انتهى . ففي كلا الوجهين حكاية حال ، لكن في الأول حكاية حال ماضية ، وفي الثاني مستقبلة ، وهو من هذه الحيثيّة كقوله تعالى : حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا « 1 » وقد تقدّم . ويجوز أن يراد ب « قال » الاستقبال لا على سبيل الحكاية ، بل لوقوعه صلة لموصول ، وقد نصّ بعضهم على أنّ الماضي إذا وقع صلة لموصول صلح للاستقبال نحو : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ « 2 » ، وإلى هذا نحا ابن عطية ، قال : « ودخلت إذا - وهي حرف استقبال - من حيث « الذين » اسم مبهم يعمّ من قال في الماضي ومن يقول في الاستقبال ، ومن حيث هذه النازلة تتصوّر في مستقبل الزمان » يعني فتكون حكاية حال مستقبلة . وقيل : « إذا » بمعنى « إذ » وليس بشيء . وقدّر الشيخ « 3 » مضافا محذوفا هو عامل في « إذا » تقديره : « وقالوا لهلاك إخوانهم » أي مخافة أن يهلك إخوانهم إذا سافروا أو غزوا ، فقدّر العامل مصدرا منحلّا ل « أن » والمضارع حتى يكون مستقبلا قال : « ولكن يصير الضمير في قوله : « لَوْ كانُوا عِنْدَنا » عائدا على « إخوانهم » في اللفظ وهو لغيرهم في المعنى أي : يعود على إخوان آخرين وهم الذين تقدّم موتهم بسبب سفر أو غزو ، وقصدهم بذلك تثبيط الباقين ، وهو نظير : « درهم ونصفه » ، وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ « 4 » وقول النابعة : 1483 - قالت : ألا ليتما هذا الحمام لنا * إلى حمامتنا ونصفه فقد « 5 » أي : نصف درهم آخر ، وحمام آخر » واللام في « لِإِخْوانِهِمْ » للعلة ، وليست هنا للتبليغ كالتي في قولك : « قلت لزيد : افعل كذا » . والجمهور على « غُزًّى » بالتشديد جمع « غاز » ، وقياسه : غزاة كرام ورماة ، ولكنهم حملوا المعتلّ على الصحيح في نحو : ضارب وضرّب ، وصائم وصوّم . والزهري والحسن : « غزى » بتخفيفها ، وفيه وجهان : أنه خفّف الزاي كراهية التثقيل في الجمع . والثاني : أنّ أصله « غزاة » كقضاة ورماة ، ولكنه حذف تاء التأنيث ، لأنّ نفس الصيغة دالّة على الجمع ، فالتاء مستغنى عنها . وقال ابن عطية : « وهذا الحذف كثير في كلامهم ، ومنه قول الشاعر يمدح الكسائي : 1484 - أبى الذّمّ أخلاق الكسائي وانتحى * به المجد أخلاق الأبوّ السّوابق « 6 » يريد : « الأبوة » جمع أب ، كما أن « العمومة » جمع عمّ » ، و « البنوّة » جمع ابن ، وقد قالوا : ابن وبنوّ . وقد ردّ عليه الشيخ « 7 » هذا : بأنّ الحذف ليس بكثير ، وأنّ قوله : « حذفت التاء من « عمومة » ليس كذلك ، بل الأصل « عموم » من غير تاء ، ثم أدخلوا عليها التاء لتأكيد الجمع ، فما جاء على « فعول » من غير تاء فهو الأصل نحو : عموم وفحول ، وما جاء فيه التاء فهو الذي يحتاج إلى تأويله بالجمع ، لم يبن على هذه التاء حتى يدّعى حذفها ، وهذا بخلاف « قضاة » وبابه بني عليها فيمكن ادّعاء الحذف فيه ، وأما « أبوّة » و « بنوّة » فليسا جمعين بل مصدرين وأمّا « أبوّ » في البيت فهو شاذ عند النحاة

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 214 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 34 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط 3 / 92 . ( 4 ) سورة فاطر ، آية ( 11 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) البيت للقناني انظر ابن يعيش 5 / 36 ، المحتسب 1 / 175 ، البحر 3 / 93 ، اللسان . ( 7 ) انظر البحر المحيط 3 / 93 .