أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

225

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها : « كَأَيِّنْ » وهي الأصل ، وبها قرأ الجماعة إلّا ابن كثير . وقال الشاعر : 1462 - كأيّن في المعاشر من أناس * أخوهم فوقهم وهم كرام « 1 » والثانية : « كائن » بزنة « كاعن » وبها قرأ ابن كثير وجماعة ، وهي أكثر استعمالا من « كَأَيِّنْ » وإن كانت تلك الأصل . قال الشاعر : 1463 - وكائن بالأباطح من صديق * يراني لو أصبت هو المصابا « 2 » وقال : 1464 - وكائن رددنا عنكم من مدجّج * . . . « 3 » واختلفوا في توجيه هذه القراءة ، فنقل عن المبرد أنها اسم فاعل من : كان يكون فهو كائن ، واستبعده مكي قال : « لإتيان « من » بعده ولبنائه على السكون » . وكذلك أبو البقاء قال : « وهو بعيد الصحة ، لأنه لو كان كذلك لكان معربا ، ولم يكن فيه معنى التكثير » لا يقال : هذا يحمل على المبرد ، فإنّ هذا لازم لهم أيضا ، فإنّ البناء ومعنى التكثير عارضان أيضا ، لأن التركيب عهد فيه مثل ذلك كما تقدم في « كذا » و « لولا » ونحوهما ، وأمّا لفظ مفرد ينقل إلى معنى ويبنى من غير سبب فلم يوجد له نظير . وقيل : هذه القراءة أصلها « كَأَيِّنْ » كقراءة الجماعة إلا أنّ الكلمة دخلها القلب فصارت « كائن » مثل « جاعن » . واختلفوا في تصييرها بالقلب كذلك على أربعة أوجه : أحدها : أنه قدّمت الياء المشددة على الهمزة فصار وزنها كعلف لأنك قدّمت العين واللام وهما الياء المشددة ، ثم حذفت الياء الثانية لثقلها بالحركة والتضعيف كما قالوا في « أيّهما » : أيهما ، ثم قلبت الياء الساكنة ألفا كما قلبوها في نحو : « آية » والأصل : أيّة ، وكما قالوا : طائي ، والأصل : طيئي ، فصار اللفظ : كائن كجاعن كما ترى ، ووزنه « كعف » ؛ لأنّ الفاء أخّرت إلى موضع اللام ، واللام قد حذفت . الوجه الثاني : أنه حذفت الياء الساكنة التي هي عين وقدّمت المتحركة التي هي لام ، فتأخّرت الهمزة التي هي فاء ، وقلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها فصار « كائن » ووزنه : كلف . الوجه الثالث : - ويعزى للخليل - أنه قدّمت إحدى الياءين في موضع الهمزة فحرّكت بحركة الهمزة وهي الفتحة ، وصارت الهمزة ساكنة في موضع الياء ، فتحرّكت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ، فالتقى ساكنان : الألف المنقلبة عن الياء والهمزة بعدها ساكنة ، فكسرت الهمزة على أصل التقاء الساكنين ، وبقيت إحدى الياءين متطرفة فأذهبها التنوين بعد سلب حركتها كياء قاض وغاز .

--> ( 1 ) انظر البيت في البحر 3 / 72 . ( 2 ) البيت لجرير انظر ديوانه ( 1 / 244 ) ، ابن يعيش 3 / 110 ، الهمع 1 / 68 ، المغني 548 ، المقرب 1 / 119 ( 3 ) صدر بيت وعجزه : . . . * يجيء أمام الرّكب بردى مقنّعا انظر الكتاب 1 / 297 ، الهمع 1 / 256 ، الدرر 1 / 213 .