أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

226

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الوجه الرابع : أنه قدّمت الياء المتحركة فانقلبت ألفا ، وبقيت الأخرى ساكنة فحذفها التنوين مثل قاض ، ووزنه على هذين الوجهين أيضا كلف لما تقدّم من حذف العين وتأخير الفاء ، وإنما الأعمال تختلف . اللغة الثالثة : « كأين » بياء خفيفة بعد الهمزة على مثال : كعين ، وبها قرأ ابن محيصن والأشهب العقيلي ، ووجهها أنّ الأصل : كأيّن كقراءة الجماعة : فحذفت الياء الثانية استثقالا فالتقى ساكنان : الياء والتنوين ، فكسرت الياء لالتقاء الساكنين ثم سكنت الهمزة تخفيفا لثقل الكلمة بالتركيب فصارت كالكلمة الواحدة كما سكّنوا : « فهو » و « فهي » . اللغة الرابعة : « كيئن » بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة ، وهذه مقلوب القراءة التي قبلها ، وقرأ بها بعضهم . واللغة الخامسة : « كئن » على مثال كع ، ونقلها الداني قراءة عن ابن محيصن أيضا . وقال الشاعر : 1468 - كئن من صديق خلته صادق الإخا * أبان اختياري أنّه لي مداهن « 1 » وفيها وجهان : أحدهما : أنه حذف الياءين دفعة واحدة لامتزاج الكلمتين بالتركيب . والثاني : أنه حذف إحدى الياءين على ما تقدّم تقريره ، ثم حذف الأخرى لالتقائها ساكنة مع التنوين ، ووزنه على هذا : « كف » لحذف العين واللام منه . واختلفوا في « أيّ » : هل هي مصدر في الأصل أم لا ؟ فذهب جماعة إلى أنها ليست مصدرا وهو ظاهر قول أبي البقاء فإنه قال : « وكأيّن الأصل فيه : « أي » التي هي بعض من كل ، أدخلت عليها كاف التشبيه » وفي عبارته عن « أي » بأنها بعض من كلّ نظر ، لأنها ليست بمعنى بعض من كل ، نعم إذا أضيفت إلى معرفة فحكمها حكم « بعض » في مطابقة الخبر وعود الضمير نحو : أيّ الرجلين قام ؟ ولا تقول : « قاما » ، وليست هي التي « بعض » أصلا . وذهب ابن جني أنها في الأصل مصدر « أوى يأوي » إذا انضمّ واجتمع ، والأصل : أوي نحو : طوى يطوي طيّا ، الأصل : طوي ، فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء ، وكأنّ ابن جني ينظر إلى معنى المادة من الاجتماع الذي يدل عليه « أيّ » فإنها للعموم ، والعموم يستلزم الاجتماع . وهل هذه كاف الداخلة على « أي » تتعلّق بشيء كغيرها من حروف الجرّ أم لا ؟ والصحيح أنها لا تتعلّق بشيء أصلا لأنّها مع « أي » صارتا بمنزلة كلمة واحدة وهي « كم » ، فلم تتعلّق بشيء ؛ ولذلك هجر معناها الأصلي وهو التشبيه . وزعم الحوفي أنها تتعلّق بعامل ، ولا بدّ من إيراد نصّه لتقف عليه فإنه كلام غريب . قال : « أما العامل في الكاف فإن جعلناها على حكم الأصل فمحمول على المعنى ، والمعنى : أصابتكم كإصابة من تقدّم من الأنبياء وأصحابهم ، وإن حملنا الحكم على الانتقال إلى معنى « كم » كان العامل بتقدير الابتداء وكانت في موضع رفع ، و « قتل » الخبر ، و « من » متعلقة بمعنى الاستقرار ، والتقدير الأول أوضح لحمل الكلام على اللفظ دون المعنى بما يجب من الخفض في « أي » ، وإذا كانت « أي » على بابها من معاملة اللفظ ف « من » متعلقة بما تعلّقت به الكاف من المعنى المدلول عليه » . انتهى .

--> ( 1 ) انظر البيت في البحر 3 / 72 .