أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

224

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقرأ أبو عمرو بالإسكان في هاء « نؤتيه » في الموضعين وصلا ووقفا ، وقالون هشام - بخلاف عنه - بالاختلاس وصلا ، والباقون بالإشباع وصلا . فأمّا السكون فقالوا : إنّ الهاء لمّا حلّت محلّ ذلك المحذوف أعطيت ما كان يستحقّه من السكون . وأمّا الاختلاس فلاستصحاب ما كانت عليه الهاء قبل حذف لام الكلمة ، فإنّ الأصل : نؤتيه ، فحذفت الياء للجزم ، ولم يعتدّ بهذا العارض فبقيت الهاء على ما كانت عليه . وأمّا الإشباع فنظرا إلى اللفظ لأنّ الهاء بعد متحرّك في اللفظ ، وإن كانت في الأصل بعد ساكن وهو الياء التي حذفت للجزم . والأولى أن يقال : إن الاختلاس والإسكان بعد المتحرك لغة ثابتة عن بني عقيل وبني كلاب ، حكى الكسائي : « له مال وبه داء » بسكون الهاء ، واختلاس حركتها ، وبهذا يتبيّن أنّ قول من قال : « إسكان الهاء واختلاسها في هذا النحو لا يجوز إلا ضرورة » ليس بشيء ، أمّا غير بني عقيل وبني كلاب فنعم لا يوجد ذلك عندهم إلا في ضرورة كقوله : 1460 - له زجل كأنّه صوت حاد * إذا طلب الوسيقة أو زمير « 1 » باختلاس هاء « كأنه » ، وقول الآخر : 1461 - وأشرب الماء ما بي نحوه عطش * إلّا لأنّ عيونه سيل واديها « 2 » بسكونها . وجعل ابن عصفور أنّ الضرورة في البيت الثاني أحسن منها في الأول قال : « لأنه إذهاب للحركة وصلتها فهي جري على الضرورة إجراء كاملا » وإنما ذكرت هذه التعليلات لكثرة ورود هذه المسألة نحو يَرْضَهُ لَكُمْ « 3 » و فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ « 4 » . وقرىء : « يؤته » بياء الغائب « 5 » ، والضمير للّه تعالى ، وكذلك : وسيجزي الشاكرين بالنون والياء . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 146 ] وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( 146 ) قوله تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ : هذه اللفظة قيل : مركبة من كاف التشبيه ومن « أيّ » ، وحدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من « كم » الخبرية ، ومثلها في التركيب وإفهام التكثير : « كذا » في قولهم : « له عندي كذا كذا درهما » والأصل : كاف التشبيه و « ذا » الذي هو اسم إشارة ، فلمّا ركّبا حدث فيهما معنى التكثير ، وكم الخبرية و « كَأَيِّنْ » و « كذا » كلّها بمعنى واحد ، وقد عهدنا في التركيب إحداث معنى آخر ، ألا ترى أنّ « لولا » حدث لها معنى جديد . وكأيّن من حقّها على هذا أن يوقف عليها بغير نون ، لأنّ التنوين يحذف وقفا ، إلا أنّ الصحابة كتبتها : « كَأَيِّنْ » بثبوت النون ، فمن ثمّ وقف عليها جمهور القراء بالنون اتباعا لرسم المصحف . ووقف أبو عمرو وسورة بن مبارك « 6 » - عن الكسائي - عليها : « كأي » من غير نون على القياس . واعتلّ الفارسي لوقف النون بأشياء طوّل بها ، منها : أنّ الكلمة لمّا ركّبت خرجت عن نظائرها ، فجعل التنوين كأنه حرف أصلي من بنية الكلمة . وفيها لغات خمس :

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة الزمر ، آية ( 7 ) . ( 4 ) سورة الأنعام ، آية ( 90 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط 3 / 70 . ( 6 ) سورة بن المبارك الخراساني الدنيوري انظر غاية النهاية 1 / 321 .