أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
222
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يجعل سببا للتمسك بدين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لا للانقلاب عنه » فظاهر هذا الكلام أنّ الفاء عطفت هذه الجملة المشتملة على الإنكار على ما قبلها من قوله « قَدْ خَلَتْ » من غير تقدير جملة أخرى . وقال أبو البقاء قريبا من هذا فإنّه قال : « الهمزة عند سيبويه « 1 » في موضعها ، والفاء تدلّ على تعلّق الشرط بما قبله » . انتهى . لا يقال : إنه جعل الهمزة في موضعها فيوهم هذا أنّ الفاء ليست مقدّمة عليها لأنه جعل هذا مقابلا لمذهب يونس ، فإنّ يونس يزعم أنّ هذه الهمزة في مثل هذا التركيب داخلة على جواب الشرط ، فهي في مذهبه في غير موضعها . وسيأتي تحرير هذا كلّه . و « إن » شرطية . و « ماتَ » و « انْقَلَبْتُمْ » شرط وجزاء ، ودخول الهمزة على أداة الشرط لا يغيّر شيئا من حكمها ، وزعم يونس أنّ الفعل الثاني الذي هو جزاء الشرط ليس بجزاء للشرط ، إنما هو المستفهم عنه ، وأنّ الهمزة داخلة عليه تقديرا فينوى به التقديم وحينئذ فلا يكون جوابا ، بل الجواب محذوف ، ولا بد إذ ذاك من أن يكون فعل الشرط ماضيا ، إذ لا يحذف الجواب إلا والشرط ماض ، ولا اعتبار بالشعر فإنه ضرورة ، فلا يجوز عنده أن تقول : « أإن تكرمني أكرمك » « لا بجزمهما ولا بجزم الأول ورفع الثاني » لأنّ الشرط مضارع . ولا : « أإن أكرمتني أكرمك » بجزم « أكرمك » لأنه ليس الجواب بل دالا عليه ، والنية به التقديم ، فإن رفعت « أكرمك » وقلت : « أإن أكرمتني أكرمك » صحّ عنده ، فالتقدير عند يونس : آنقلبتم على أعقابكم إن مات محمد ؟ لأنّ الغرض إنكار انقلابهم على أعقابهم بعد موته . ويقول يونس قال كثير من المفسرين ، فإنّهم يقولون : ألف الاستفهام دخلت في غير موضعها ، لأنّ الغرض إنما هو : « أتنقلبون إن مات محمد » . وقال أبو البقاء : « وقال يونس : الهمزة في مثل هذا حقّها أن تدخل على جواب الشرط تقديره : « أتنقلبون إن مات » ، لأن الغرض التنبيه أو التوبيخ على هذا الفعل المشروط . ومذهب سيبويه الحقّ لوجهين . أحدهما : أنك لو قدّمت الجواب لم يكن للفاء وجه إذ لا يصحّ أن تقول : « أتزوروني فإن زرتك » ، ومنه قوله تعالى : أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ « 2 » . والثاني : أنّ الهمزة لها صدر الكلام ، و « إن » لها صدر الكلام فقد وقعا في موضعهما ، والمعنى يتمّ بدخول الهمزة على جملة الشرط والجواب ، لأنهما كالشئ الواحد » انتهى . وقد ردّ النحويون على يونس بقوله : أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ فإنّ الفاء في قوله : « فهم » تعيّن أن يكون جوابا للشرط . ولهذه المسألة موضع هو أليق بها من هذا الكتاب . وأتى هنا ب « إن » التي تقتضي الشك ، والموت أمر محقق ، إلا أنه أورد مورد المشكوك فيه للترّدد بين الموت والقتل . قوله : عَلى أَعْقابِكُمْ فيه وجهان : أظهرهما : أنّه متعلّق ب « انْقَلَبْتُمْ » . والثاني : أنه حال من فاعل « انْقَلَبْتُمْ » كأنه قيل : انقلبتم راجعين . وقرأ ابن أبي إسحاق : « ومن ينقلب على عقبه » بالإفراد . و « شيئا » نصب على المصدر أي : شيئا من الضرر لا قليلا ولا كثيرا . وقد تقدّم نظيره .
--> ( 1 ) انظر الكتاب 1 / 491 . ( 2 ) سورة الأنبياء ، آية ( 34 ) .