أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
206
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
كذلك إلا أنه خفّف الزاي ، جعله من أنزل كأكرم ، والتضعيف والهمزة كلاهما للتعدية ، ففعّل وأفعل بمعنى ، وقد تقدّم أن الزمخشري يجعل التشديد دالا على التنجيم ، وتقدّم البحث معه في ذلك . وفي القراءتين الأخيرتين يكون المفعول محذوفا أي : منزلين النصر على المؤمنين والعذاب على الكافرين . قوله : بَلى حرف جواب وهو إيجاب للنفي في قوله تعالى : « أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ » وقد تقدم الكلام عليها مشبعا « 1 » . وجواب الشرط قوله : « يُمْدِدْكُمْ » . والفور ؛ العجلة والسرعة ومنه : « فارت القدر » اشتدّ غليانها وسارع ما فيها إلى الخروج ، يقال : فار يفور فورا ، ويعبّر به عن الغضب والحدّة ؛ لأنّ الغضبان يسارع إلى البطش بمن يغضب عليه ، فالفور في الأصل مصدر ثم يعبّر به عن الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج عن شيء سواها . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 125 إلى 126 ] بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ( 125 ) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 126 ) قوله تعالى : مُسَوِّمِينَ : كقوله : « مُنْزَلِينَ » . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو على اسم الفاعل ، والباقون بفتحها على اسم المفعول . فأما القراءة الأولى فتحتمل أن تكون من السّوم وهو ترك الماشية ترعى ، والمعنى أنهم سوّموا خيلهم أي : أعطوها سومها من الجري والجولان وتركوها كذلك كما يفعل من يسيم ماشيته في المرعى ، ويحتمل أن يكون من السّومة وهي العلامة ، على معنى أنهم سوّموا أنفسهم أو خيلهم ، ففي التفسير أنهم كانوا بعمائم بيض إلا جبريل فبعمامة صفراء ، وروي أنهم كانوا على خيل بلق « 2 » . ورجّح ابن جرير هذه القراءة بما ورد في الحديث عنه عليه السّلام يوم بدر « تسوّموا فإنّ الملائكة قد سوّمت » . وأما القراءة الثانية فواضحة بالمعنيين المذكورين فمعنى السّوم فيها : أنّ اللّه أرسلهم ، إذ الملائكة كانوا مرسلين من عند اللّه لنصرة نبيّه والمؤمنين . حكى أبو زيد : سوّم الرجل خيله : أي أرسلها ، وحكى بعضهم : « سوّمت غلامي » أي : أرسلته ، ولهذا قال أبو الحسن الأخفش : « معنى مسوّمين : مرسلين » . ومعنى السّومة فيها أنّ اللّه تعالى سوّمهم أي : جعل عليهم علامة وهي العمائم ، أو الملائكة جعلوا خيلهم نوعا خاصا وهي البلق ، فقد سوّموا خيلهم . قوله تعالى : إِلَّا بُشْرى : فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مفعول من أجله وهو استثناء مفرغ ، إذ التقدير : وما جعله لشيء من الأشياء إلا للبشرى ، وشروط نصبه موجودة وهي اتحاد الفاعل والزمان وكونه مصدرا سيق للعلة . والثاني : أنه مفعول ثان لجعل على أنها تصييرية . والثالث : أنها بدل من الهاء في « جعله » قاله الحوفي ، وجعل الهاء عائدة على الوعد بالمدد . والبشرى مصدر على فعلى كالرّجعى .
--> ( 1 ) في آية ( 81 ) في سورة البقرة . ( 2 ) البلق : جمع ( أبلق ) . والبلق : سواد وبياض ، اللسان : بلق .