أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

207

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : وَلِتَطْمَئِنَّ فيه وجهان : أحدهما : أنه معطوف على « بُشْرى » هذا إذا جعلناها مفعولا من أجله ، وإنما جرّت باللام لاختلال شرط من شروط النصب وهو عدم اتحاد الفاعل ، فإنّ فاعل الجعل هو اللّه تعالى وفاعل الاطمئنان القلوب ، فلذلك المعطوف عليه لاستكمال الشروط ، وجرّ المعطوف باللام لاختلال شرطه ، وقد تقدّم ، والتقدير : وما جعله إلا للبشرى وللطمأنينة . والثاني : أنها متعلقة بمحذوف أي : ولتطمئن قلوبكم فعل ذلك ، أو كان كيت وكيت . وقال الشيخ « 1 » : « وتطمئنّ منصوب بإضمار « أن » بعد لام « كي » فهو من عطف الاسم على توهّم موضع اسم آخر » . ثم نقل عن ابن عطية أنه قال : « واللام في « وَلِتَطْمَئِنَّ » متعلقة بفعل مضمر يدلّ عليه « جَعَلَهُ » ، ومعنى الآية : « وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا به وتطمئنّ به قلوبكم » . قال الشيخ : « وكأنه رأى أنه لا يمكن عنده أن يعطف « وَلِتَطْمَئِنَّ » على « بُشْرى » على الموضع ؛ لأنّ من شرط العطف على الموضع عند أصحابنا أن يكون ثمّ محرز للموضع ، ولا محرز هنا ، لأنّ عامل الجر مفقود ، ومن لم يشترط المحرز فيجوّز ذلك ، ويكون من باب العطف على التوهم » . قلت : وقد جعل بعضهم الواو في « وَلِتَطْمَئِنَّ » زائدة وهو لائق بمذهب الأخفش ، وعلى هذا فتتعلّق اللام بالبشرى ، أي : إن البشرى علة للجعل ، والطمأنينة علة للبشرى فهي علة العلة . وقال الفخر الرازي : « في ذكر الإمداد مطلوبان : أحدهما : إدخال السرور في قلوبهم وهو المراد بقوله « إِلَّا بُشْرى » . والثاني : حصول الطمأنينة بالنصر فلا يجبنوا ، وهذا هو المقصود الأصلي ففرّق بين هاتين العبارتين تنبيها على حصول التفاوت بين الأمرين ، فعطف الفعل على الاسم ، ولمّا كان الأقوى حصول الطمأنينة أدخل حرف التعليل » . قال الشيخ « 2 » : « ويناقش في قوله « عطف الفعل على الاسم » إذ ليس من عطف الفعل على الاسم ، وفي قوله : « أدخل حرف التعليل » وليس ذلك كما ذكر » . انتهى . قلت : إن عنى الشيخ أنه لم يدخل حرف التعليل البتة فهو غير مسلّم ولا يمكن إنكاره ، وإن عنى أنه لم يدخله بالمعنى الذي قصده الإمام فيسهل . وقال الجرجاني في « نظمه » : « هذا على تأويل : وما جعله اللّه إلا ليبشّركم ولتطمئنّ ، ومن أجاز إقحام الواو وهو مذهب الكوفيين جعلها مقحمة في « وَلِتَطْمَئِنَّ » فيكون التقدير : وما جعله اللّه إلّا بشرى لكم لتطمئن قلوبكم به . والضميران في قوله : « وَما جَعَلَهُ » و « بِهِ » يعودان على الإمداد المفهوم من الفعل المتقدم وهو قوله : « يُمْدِدْكُمْ » وقيل : يعودان على النصر ، وقيل : على التسويم . وقيل : على التنزيل . وقيل : على العدد ، وقيل : على الوعد . وفي هذه الآية قال : « لَكُمْ » وتركها في سورة الأنفال « 3 » لأن تيك مختصر هذه ، وكأنّ الإطناب هنا أولى ، لأن القصة مكمّلة هنا فناسب إيناسهم بالخطاب المواجه . وأخّر هنا « بِهِ » وقدّم في سورة الأنفال ؛ لأنّ الخطاب هنا موجود في

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 51 . ( 2 ) انظر البحر المحيط 3 / 52 . ( 3 ) انظر آية رقم ( 10 ) .