أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
188
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 112 ] ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 112 ) قوله تعالى : إِلَّا أَذىً فيه وجهان : أحدهما : أنه متصل ، وهو استثناء مفرغ من المصدر العام ، كأنه قيل : لن يضرّوكم ضررا البتة إلا ضرر أذى لا يبالي به من كلمة سوء ونحوها . والثاني : أنه منقطع أي : لن يضرّوكم بقتال وغلبة ، لكن بكلمة أذى ونحوها . قوله : ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ مستأنف ، ولم يجزم عطفا على جواب الشرط ، لأنه كان يتغير المعنى ، وذلك أن اللّه تعالى أخبر بعدم نصرتهم مطلقا ، ولو عطفناه على جواب الشرط للزم تقييده بمقاتلتهم لنا ، وهم غير منصورين مطلقا : قاتلوا أو لم يقاتلوا . وزعم بعض من لا تحصيل له أن المعطوف على جواب الشرط ب « ثُمَّ » لا يجوز جزمه البتة ، قال : « لأنّ المعطوف على الجواب جواب ، وجواب الشرط يقع بعده وعقيبه ، و « ثُمَّ » تقتضي التراخي فكيف يتصوّر وقوعه عقيب الشرط ؟ فلذلك لم يجزم مع « ثُمَّ » . وهذا فاسد جدا لقوله تعالى : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ « 1 » ف لا يَكُونُوا مجزوم نسقا على يَسْتَبْدِلْ الواقع جوابا للشرط والعاطف « ثُمَّ » . و « الْأَدْبارَ » مفعول ثان ليولّوكم ، لأنه تعدّى بالتضعيف إلى مفعول آخر . قوله تعالى : أَيْنَما ثُقِفُوا : أينما شرط وهي ظرف مكان و « ما » مزيدة فيها ، ف « ثُقِفُوا » في محلّ جزم بها ، وجواب الشرط : إمّا محذوف أي : أينما ثقفوا غلبوا وذلّوا ، دلّ عليه قوله : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ، وإمّا نفس « ضُرِبَتْ » عند من يجيز تقديم جواب الشرط عليه ، ف « ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ » لا محلّ له على الأول ومحلّه الجزم على الثاني . قوله : إِلَّا بِحَبْلٍ هذا الجارّ في محلّ نصب على الحال ، وهو استثناء مفرغ من الأحوال العامة . قال الزمخشري : « وهو استثناء من عامّ أعمّ الأحوال ، والمعنى : « ضربت عليهم الذّلّة في عامة الأحوال إلّا في حال اعتصامهم بحبل من اللّه وحبل من الناس » ، وعلى هذا فهو استثناء متصل . وقال الزجاج والفراء : « هو استثناء منقطع » . فقدّره الفراء : « إلّا أن يعتصموا بحبل من اللّه » ، فحذف ما يتعلّق به الجارّ ، كما قال حميد بن ثور الهلالي : 1394 - رأتني بحبليها فصدّت مخافة * وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق « 2 » أراد : أقبلت بحبليها ، فحذف الفعل للدلالة عليه . ونظّره ابن عطية بقوله تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً « 3 » قال : « لأن بادي الرأي يعطي أنّ له أن يقتل خطأ ، وأنّ الحبل من اللّه ومن الناس يزيل ضرب الذلة ، وليس الأمر كذلك ، وإنما في الكلام محذوف يدركه فهم السامع الناظر في الأمر ، وتقديره في آيتنا : « فلا نجاة من الموت إلا بحبل » قال الشيخ « 4 » : « وعلى ما قدّره لا يكون استثناء منقطعا لأنه مستثنى من جملة مقدرة وهي قوله : « فلا نجاة من الموت » وهو متصل على هذا التقدير ، فلا يكون استثناء منقطعا من الأول ضرورة أنّ الاستثناء الواحد لا يكون منقطعا متصلا ، والاستثناء المنقطع كما تقرّر في علم النحو على قسمين : منه ما يمكن أن يتسلّط عليه العامل ، ومنه ما لا يمكن في ذلك ، ومنه هذه الآية على تقدير الانقطاع ، إذ التقدير : لكنّ اعتصامهم بحبل من اللّه وحبل من الناس ينجيهم من
--> ( 1 ) سورة محمد ، آية ( 38 ) . ( 2 ) انظر البيت في ديوانه ( 25 ) ، اللسان . ( 3 ) سورة النساء ، آية ( 92 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط 3 / 32 .