أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

189

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

القتل والأسر وسبي الذّراري واستئصال أموالهم ، ويدلّ على أنه منقطع : الإخبار بذلك في قوله تعالى في سورة البقرة : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ « 1 » فلم يستثن هناك » . وما بعد هذه الآية قد تقدّم إعرابه . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 113 ] لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( 113 ) قوله تعالى : لَيْسُوا سَواءً : الظاهر في هذه الآية أن الوقف على « سَواءً » تامّ ، فإنّ الواو اسم « ليس » ، و « سَواءً » خبر ، والواو تعود على أهل الكتاب المقدّم ذكرهم ، والمعنى : أنهم منقسمون إلى مؤمن وكافر لقوله : مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ « 2 » فانتفى استواؤهم . و « سَواءً » في الأصل مصدر فلذلك وحّد ، وقد تقدّم تحقيقه أول البقرة « 3 » . وقال أبو عبيدة : « الواو في « لَيْسُوا » علامة جمع وليست ضميرا ، واسم « ليس » على هذا « أُمَّةٌ » و « قائِمَةٌ » صفتها ، وكذا « يَتْلُونَ » ، وهذا على لغة « أكلوني البراغيث » كقول الآخر : 1395 - يلومونني في اشتراء النّخي * ل أهلي فكلّهم ألوم « 4 » قالوا : « وهي لغة ضعيفة » . ونازع السهيلي النحويين في كونها ضعيفة ، ونسبها بعضهم لأزد شنوءة ، وكثيرا ما جاء عليها الحديث ، وفي القرآن مثلها ، وسيأتي تحقيق هذا في المائدة بزيادة بيان . قال ابن عطية : « وما قاله أبو عبيدة خطأ مردود ، ولم يبيّن وجه الخطأ ، وكأنه توهّم أنّ اسم « ليس » هو « أُمَّةٌ قائِمَةٌ » فقط ، وأنه لا محذوف ثمّ ، إذ ليس الغرض تفاوت الأمة القائمة التالية ، فإذا قدّر ثمّ محذوف لم يكن قول أبي عبيدة خطأ مردودا ، إلا أن بعضهم ردّ قوله بأنها لغة ضعيفة ، وقد تقدم ما فيها والتقدير الذي يصحّ به المعنى ، أي : ليس سواء من أهل الكتاب أمة قائمة موصوفة بما ذكر وأمة كافرة ، فهذا تقدير يصحّ به المعنى الذي نحا إليه أبو عبيدة » . وقال الفراء : « إنّ الوقف لا يتمّ على « سَواءً » ، فجعل الواو اسم « ليس » و « سَواءً » خبرها ، كما قال الجمهور ، و « أُمَّةٌ » مرتفعة ب « سَواءً » ارتفاع الفاعل ، أي : ليس أهل الكتاب مستويا منهم أمة قائمة موصوفة بما ذكر وأمة كافرة ، فحذفت الجملة المعادلة لدلالة القسم الأول عليها كقول الشاعر : 1396 - دعاني إليها القلب إنّي لأمرها * سميع فما أدري أرشد طلابها « 5 » أي : أم غيّ ، فحذف « الغيّ » لدلالة ضدّه عليه ، ومثله قول الآخر : 1397 - أراك فما أدري أهمّ هممته * وذو الهمّ قدما خاشع متضائل « 6 » أي : أهمّ هممته أم غيره ، فحذف للدلالة ، وهو كثير ، قال الفراء : « لأنّ المساواة تقتضي شيئين كقوله : سَواءً

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 61 ) . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 110 ) . ( 3 ) انظر الآية رقم ( 6 ) . ( 4 ) البيت لأمية بن أبي الصلت ، انظر أوضح المسالك 1 / 347 ، ابن الشجري 1 / 133 ، الدرر 1 / 142 . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) انظر الصناعتين ( 137 ) ، مشكل ابن قتيبة ( 215 ) ، معاني الفراء 1 / 231 .