أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
183
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والواو وثم إذا دخلت عليها الهمزة أصلهنّ التقديم على الهمزة ، لكن اعتني بالاستفهام فقدّم على حرف العطف ، كما ذهب إليه سيبويه « 1 » وغيره من النحويين . وقد رجع الزمخشري إلى مذهب الجماعة في ذلك ، وبطلان قوله الأول مذكور في النحو ، وقد تقدم في هذا الكتاب حكاية مذهب الجماعة في ذلك ، وعلى تقدير قول هذا الرجل « أهملتكم » فلا بد من إضمار القول وتقديره : فيقال أأهملتكم ، لأنّ هذا المقدّر هو خبر المبتدأ ، والفاء جواب أمّا ، وهو الذي يدل عليه الكلام ويقتضيه ضرورة ، وقول هذا الرجل : « فوقع ذلك جوابا له ولقوله : أكفرتم » يعني أنّ « فَذُوقُوا الْعَذابَ » جواب ل « أمّا » ولقوله : « أَ كَفَرْتُمْ » والاستفهام هنا لا جواب له إنما هو استفهام على طريق التوبيخ والإرذال بهم . وأمّا قول هذا الرجل : « ومن نظم العرب إلى آخره » فليس كلام العرب على ما زعم بل يجعل لكلّ جواب ، إن لا يكن ظاهرا فمقدر ، ولا يجعلون لهما جوابا واحدا . وأما دعواه ذلك في قوله تعالى : « فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً » الآية وزعمه أنّ قوله تعالى : « فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ » جواب للشرطين فقول روي عن الكسائي ، وزعم بعض الناس أنّ جواب الشرط الأول محذوف تقديره : فاتبعوه ، والصحيح أنّ الشرط الثاني وجوابه جواب الشرط الأول ، وتقدّمت هذه الأقوال الثلاثة عند قوله تعالى : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً انتهى . وقوله : أَ كَفَرْتُمْ الهمزة فيه للإنكار عليهم والتوبيخ لهم والتعجيب من حالهم ، وفي قوله : « أَ كَفَرْتُمْ » نوع من الالتفات وهو المسمّى عند علماء البيان بتلوين الخطاب ، وذلك أنّ قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ في حكم الغيبة ، وقوله بعد ذلك : أَ كَفَرْتُمْ خطاب مواجهة . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 107 إلى 109 ] وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 107 ) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ( 108 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 109 ) قوله تعالى : فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ : فيه وجهان : أحدهما : أنّ الجار متعلّق بخالدون . و « فِيها » تأكيد لفظي للحروف ، والتقدير : فهم خالدون في رحمة اللّه فيها ، وقد تقرّر أنه لا يؤكّد الحرف تأكيدا لفظيا إلا بإعادة ما دخل عليه أو بإعادة ضميره كهذه الآية ، ولا يجوز أن يعود وحده إلا في ضرورة كقوله : 1388 - حتّى [ تراها ] وكأنّ وكأن * أعناقها مشدّدات بقرن « 2 » كذا ينشدون هذا البيت ، وأصرح منه في الباب : 1389 - فلا واللّه لا يلفى لما بي * ولا للما بهم أبدا دواء « 3 » ويحسن ذلك إذا اختلف لفظهما كقوله :
--> ( 1 ) انظر الكتاب 1 / 491 . ( 2 ) البيت للأغلب العجلي وينسب لخطام المجاشعي انظر الهمع 2 / 125 ، الدرر 2 / 160 ، العيني 4 / 100 . ( 3 ) البيت لمسلم بن معبد الوالبي ، انظر الانصاف 571 ، المقرب 1 / 238 ، شواهد المغني ( 505 ) ، الدرر 2 / 15 ، رصف المباني ( 202 ) ، معاني الفراء 1 / 68 .