أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
184
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
1390 - فأصبحن لا يسألنني عن بما به * . . . « 1 » اللهم إلا أن يكون ذلك الحرف قائما مقام جملة فيكرّر وحده كحروف الجواب كنعم نعم وبلى وبلى ولا لا . والثاني : أنّ قوله : « فَفِي رَحْمَتِ » خبر لمبتدأ مضمر ، والجملة بأسرها جواب « أَمَّا » والتقدير : فهم مستقرون في رحمة اللّه ، وتكون الجملة بعده من قوله : « هُمْ فِيها خالِدُونَ » جملة مستقلة من مبتدأ وخبر دلّت على أنّ الاستقرار في الرحمة على سبيل الخلود ، فلا تعلّق لها بالجملة قبلها من حيث الإعراب . قال الزمخشري : « فإن قلت : كيف موقع قوله : « هُمْ فِيها خالِدُونَ » بعد قوله : « فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ » ؟ قلت : موقع الاستئناف ، كأنه قيل : كيف يكونون فيها ؟ فقيل : هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون » . وقرأ أبو الجوزاء وابن يعمر : « اسوادّت وابياضّت » بألف ، وقد تقدّم أن قراءتهما : تبياضّ وتسوادّ وهذا قياسها . وأصل افعلّ هذا أن يكون دالا على لون أو عيب حسي كاعورّ واسودّ واحمرّ ، وألّا يكون من مضعف كأحمّ ، ولا معتلّ اللام كألهى ، وألّا يكون للمطاوعة ، وندر « نهارّ الليل » و « اشعارّ الرجل » أي تفرّق شعره ، إذ لا دالة فيهما على عيب ولا لون ، وندر أيضا « ارعوّى » فإنه معتلّ اللام مطاوع ل « رعوته » بمعنى كففته ، وليس دالّا على عيب ولا لون ، وأمّا دخول الألف في افعلّ هذا فدالّ على عروض ذلك المعنى ، وعدمها دالّ على ثبوته واستقراره ، فإذا قلت : اسودّ وجهه دلّ على اتصافه بالسواد من غير عروض فيه ، وإذا قلت « اسوادّ » دلّ على حدوثه ، هذا هو الغالب وقد يعكس قال تعالى : مُدْهامَّتانِ « 2 » والقصد به الدلالة على لزوم الوصف بذلك للجنتين ، وقوله تعالى : تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ « 3 » القصد به العروض لازورار الشمس لا الثبوت والاستقرار ، كذا قيل ، وفيه نظر محتمل ، لأنّ المقصود وصف الشمس بهذه الصفة الثابتة بالنسبة إلى هؤلاء القوم خاصة . وقوله : فَذُوقُوا من باب الاستعارة ، جعل العذاب شيئا يدرك بحاسة الأكل والذوق تصويرا له بصورة ما يذاق . وقوله : بِما كُنْتُمْ الباء سببية ، و « ما » مصدرية ولا تكون بمعنى الذي لاحتياجها إلى العائد ، وتقديره غير جائز لعدم الشروط المجوّزة لحذفه . قوله تعالى : تِلْكَ آياتُ اللَّهِ مبتدأ وخبر ، و نَتْلُوها جملة حالية ، وقيل : « آياتُ اللَّهِ » بدل من تلك » و « نَتْلُوها » جملة واقعة خبرا للمبتدأ ، و « بِالْحَقِّ » حال من فاعل « نَتْلُوها » أو مفعوله ، وهي حال مؤكدة ؛ لأنه تعالى لا ينزّلها إلا على هذه الصفة . وقال الزجاج : « في الكلام حذف تقديره : تلك آيات القرآن حجج اللّه ودلائله » . وقال الشيخ : « فعلى هذا الذي قدّره يكون خبر المبتدأ محذوفا لأنه عنده بهذا التقدير يتمّ معنى الآية ، وهذا التقدير لا حاجة إليه إذ المعنى تامّ بدونه » . والإشارة ب « تِلْكَ » إلى الآيات المتقدمة المتضمنة تعذيب الكفار وتنعيم الأبرار .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة الرحمن ، آية ( 64 ) . ( 3 ) سورة الكهف ، آية ( 17 ) .