أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

180

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

عليه ، وأمّا ذكر الحفرة فإنما جاءت على سبيل الإضافة إليها ، ألا ترى أنّك إذا قلت : « كان زيد غلام جعفر » لم يكن جعفر محدّثا عنه ، وليس أحد جزأي الإسناد ، وكذا لو قلت : « زيد ضرب غلام هند » لم تحدّث عن هند بشيء ، وإنّما ذكرت جعفرا وهندا مخصصا للمحدّث عنه ، وأمّا ذكر النار فإنما ذكر لتخصيص الحفرة ، وليس أيضا أحد جزأي الإسناد ، وليست أيضا محدّثا عنها ، فالانقاذ من الشفا أبلغ من الإنقاذ من الحفرة ومن النار ، لأنّ الإنقاذ من الشفا يستلزم الإنقاذ من الحفرة ومن النار ، والإنقاذ منهما لا يستلزم الإنقاذ من الشفا فعوده على الشّفا هو الظاهر من حيث اللفظ ومن حيث المعنى » . وقال الزجاج : وقوله : « منها » الكناية راجعة إلى النار لا إلى الشفا ؛ لأنّ القصد الإنجاء من النار لا من شفا الحفرة » . وقال غيره : « يعود على الحفرة ، فإذا أنقذهم اللّه من الحفرة فقد أنقذهم من شفاها لأنّ شفاها منها » . قال الواحدي : « على أنه يجوز أن يذكر المضاف والمضاف إليه ثم تعود الكناية إلى المضاف إليه دون المضاف ، كقول جرير : « أرى مرّ السنين أخذن » البيت . فذكر مرّ السنين ، ثم أخبر عن السنين ، وكذلك قول العجّاج : 1383 - طول اللّيالي أسرعت في نقضي * طوين طولي وطوين عرضي « 1 » قال : « وهذا إذا كان المضاف من جنس المضاف إليه ، فإنّ مرّ السنين هو السنون ، وكذلك شفا الحفرة من الحفرة ، فذكر الشّفا وعادت الكناية إلى الحفرة » قلت : وهذان القولان نصّ في ردّ ما قاله الشيخ ، إلّا أنّ المعنى الذي ذكره أولى ، لأنه إذا أنقذهم من طرف الحفرة فهو أبلغ من إنقاذهم من الحفرة ، وما ذكره من الصناعة أيضا واضح . والإنقاذ : التخليص والتنحية ، قال الأزهري : « يقال أنقذته ونقذته واستنقذته وتنقّذته بمعنى ، ويقال : « فرس نقيذ » إذا كان مأخوذا من قوم آخرين لأنه استنقذ منهم ، والحفرة : فعلة بمعنى مفعولة كغرفة بمعنى مغروفة . وقوله : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ نعت لمصدر محذوف أو حال من ضميره أي : يبيّن لكم تبيينا مثل تبيينه لكم الآيات الواضحة . وقوله : « من النار » صفة لحفرة فيتعلّق بمحذوف . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 104 إلى 106 ] وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 105 ) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) قوله تعالى : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ : يجوز أن تكون التامة أي : ولتوجد منكم أمة ، فتكون « أُمَّةٌ » فاعلا ، و « يَدْعُونَ » جملة في محلّ رفع صفة لأمة ، و « مِنْكُمْ » متعلّق بتكن على أنها تبعيضية ، ويجوز أن يكون « مِنْكُمْ » متعلقا بمحذوف على أنه حال من « أُمَّةٌ » إذ كان يجوز جعله صفة لها لو تأخّر عنها ، ويجوز أن تكون « من » للبيان لأن المبيّن وإن تأخّر لفظا فهو مقدّم رتبة ، ويجوز أن تكون الناقصة فأمة اسمها و « يَدْعُونَ » خبرها ، و « مِنْكُمْ » متعلّق : إمّا بالكون ، وإمّا بمحذوف

--> ( 1 ) انظر البيت في الكتاب 1 / 26 ، الخصائص ( 2 / 418 ) ، الخزانة ( 2 / 168 ) ، المقتضب .