أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

181

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

على الحال من « أُمَّةٌ » . ويجوز أن يكون « مِنْكُمْ » هو الخبر و « يَدْعُونَ » صفة لأمة ، وفيه بعد . وقرأ العامة : « وَلْتَكُنْ » . وقرأ الحسن « 1 » والزهري والسّلمي بكسرها ، وهو الأصل . وقوله : وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ من باب ذكر الخاص بعد العلم اعتناء به كقوله : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ « 2 » لأن اسم الخير يقع عليهما بل هما أعظم الخيور . وقوله : جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ لم يؤنّث الفعل للفصل ولكونه غير حقيقي بمعنى الدلائل . قوله تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُّ في العامل في هذا الظرف وجوه : أحدها : أنه الاستقرار الذي تضمّنه « لَهُمْ » والتقدير : وأولئك استقر لهم عذاب يوم تبيضّ . وقيل : العامل فيه مضمر يدلّ عليها الجملة السابقة تقديره : يعذّبون يوم تبيضّ وجوه . وقيل : العامل فيه « عَظِيمٌ » وضعف هذا بأنه يلزم تقييد عظمه بهذا اليوم . وهذا التضعيف ضعيف ؛ لأنه إذا عظم في هذا اليوم ففي غيره أولى ، وأيضا فإنه مسكوت عنه فيما عدا هذا اليوم . وقيل : العامل « عَذابٌ » . وهذا ممتنع ؛ لأن المصدر الموصوف لا يعمل بعد وصفه . وقرأ يحيى بن وثاب وأبو نهيك وأبو رزين العقيلي « 3 » : « تَبْيَضُّ و تَسْوَدُّ » بكسر التاء وهي لغة تميم ، وقرأ الحسن والزهري وابن محيصن وأبو الجوزاء : « تبياضّ وتسوادّ » بألف فيهما ، وهي أبلغ فإنّ « ابياضّ » أدلّ على اتصاف الشيء بالبياض من ابيضّ ، ويجوز كسر حرف المضارعة أيضا مع الألف ، إلا أنّي لا أنقله قراءة لأحد . قوله : أَ كَفَرْتُمْ هذه الجملة في محلّ نصب بقول مضمر ، وذلك القول المضمر مع فاء مضمرة أيضا هو جواب أمّا ، وحذف الفاء مع القول مطّرد ، وذلك أنّ القول يضمر كثيرا كقوله تعالى : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ « 4 » وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا « 5 » وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا « 6 » وأمّا حذفها دون إضمار القول فلا يجوز إلا في ضرورة كقوله : 1384 - فأمّا القتال لا قتال لديكم * ولكنّ سيرا في عراض المواكب « 7 » أي : فلا قتال . وقال صاحب « أسرار التنزيل » : « بل قد اعترض على النحاة في قولهم : « لمّا حذف « يقال » حذفت الفاء » بقوله تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ « 8 » فحذف « يقال » ولم يحذف الفاء ، فلمّا بطل هذا تعيّن أن يكون الجواب في قوله : فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فوقع ذلك جوابا له ، ولقوله : أَ كَفَرْتُمْ ، ومن نظم العرب إذا ذكروا حرفا يقتضي جوابا له أن يكتفوا عن جوابه حتى يذكروا حرفا آخر يقتضي جوابا ، ثم يجعلون له جوابا واحدا كما في قوله تعالى : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ « 9 » ، فقوله : فَلا

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 20 . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 98 ) . ( 3 ) لغيط بن عامر صبرة وهو لغيط بن صبرة له صحبة انظر الخلاصة 2 / 372 . ( 4 ) سورة الرعد ، آية ( 23 ) . ( 5 ) سورة الزمر ، آية ( 3 ) . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 127 ) . ( 7 ) تقدم . ( 8 ) سورة الجاثية ، آية ( 31 ) . ( 9 ) سورة البقرة ، آية ( 38 ) .