أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
167
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الشيخ « 1 » : « ويبعد ذلك ، إذ هو من الإخبار بالواضح ، لأنه معلوم أنّ ما حرّم إسرائيل على نفسه هو من قبل إنزال التوراة ضرورة لتباعد ما بين وجود إسرائيل وإنزال التوراة » . والثاني : أنها تتعلّق بقوله : كان حلا » . قال الشيخ « 2 » : « ويظهر أنه متعلّق بقوله « كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ » أي : من قبل أن تنزّل التوراة ، وفصل بالاستثناء إذ هو فصل جائز ، وذلك على مذهب الكسائي وأبي الحسن في جواز أن يعمل ما قبل إلا فيما بعدها إذا كان ظرفا ومجرورا أو حالا نحو : « ما حبس إلا « زيد عندك ، وما أوى إلا عمرو إليك ، وما جاء إلا زيد ضاحكا » وأجاز الكسائي ذلك في المنصوب مطلقا نحو : ما ضرب إلا زيد عمرا ، وأجاز هو وابن الأنباري ذلك في المرفوع نحو : ما ضرب إلا زيدا عمرو ، وأمّا تخريجه على غير مذهب الكسائي وأبي الحسن فيقدّر له عامل من جنس ما قبله ، تقديره هنا : حلّ من قبل أن تنزّل التوراة » . قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ : فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلّق بافترى ، وهذا هو الظاهر . والثاني : جوّزه أبو البقاء وهو أن يتعلّق بالكذب ، يعني الكذب الواقع من بعد ذلك . وفي المشار إليه بذلك ثلاثة أوجه : أحدها : استقرار التحريم المذكور في التوراة ، إذ المعنى : إلّا ما حرّم إسرائيل على نفسه ثم حرّمته التوراة عليهم عقوبة لهم . الثاني : التلاوة ، وجاز تذكير اسم الإشارة لأنّ المراد بها بيان مذهبهم . والثالث : الحال بعد تحريم إسرائيل على نفسه . وهذه الجملة - أعني قوله « فَمَنِ افْتَرى » - يجوز أن تكون استئنافية فلا محلّ لها من الإعراب ، ويجوز أن تكون منصوبة المحلّ نسقا على قوله : « فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ » فتندرج في المقول . و « من » يجوز أن تكون شرطية أو موصولة ، وحمل على لفظها في قوله : « افْتَرى » وحّد الضمير ، وعلى معناها فجمع في قوله : « فَأُولئِكَ » إلى آخره . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 95 إلى 96 ] قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 95 ) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) قوله تعالى : قُلْ صَدَقَ اللَّهُ : أي : قل لهم . والعامة على إظهار لام « قُلْ » مع الصاد ، وقرأ أبان بن تغلب بإدغامها فيها ، وكذلك أدغم اللام في السين في قوله : قُلْ سِيرُوا « 3 » ، وسيأتي أنّ حمزة والكسائي وهشاما أدغموا اللام في السين من قوله تعالى : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ « 4 » . قال أبو الفتح : « علة ذلك فشوّ هذين الحرفين في الفم وانتشار الصوت المنبثّ عنهما فقاربتا بذلك مخرج اللام
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 4 . ( 2 ) انظر البحر المحيط 3 / 4 . ( 3 ) سورة الأنعام ، آية ( 11 ) . ( 4 ) سورة يوسف ، آية ( 18 ) .