أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

168

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فجاز إدغامها فيهما وهو مأخوذ من كلام سيبويه ، فإنّ سيبويه « 1 » قال : « والإدغام - يعني إدغام اللام مع الطاء والصاد وأخواتهما - جائز وليس ككثرته مع الراء ، لأنّ هذه الحروف تراخين عنها وهي من الثنايا » قال : « وجواز الإدغام لأن آخر مخرج اللام قريب من مخرجها . انتهى » . وقال أبو البقاء عبارة توضّح ما تقدّم وهي : « لأن الصاد فيها انبساط وفي اللام انبساط ، بحيث يتلاقى طرفاهما فصارا متقاربين » وقد تقدّم إعراب قوله : « مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً » « 2 » فأغنى عن إعادته . قوله تعالى : وُضِعَ لِلنَّاسِ ) هذه الجملة في موضع خفض صفة لبيت . وقرأ العامة : « وُضِعَ » مبنيا للمفعول ، وعكرمة وابن السّميفع : « وُضِعَ » مبنيا للفاعل ، وفي فاعله قولان ، أظهرهما ، أنه ضمير إبراهيم لتقدّم ذكره ؛ ولأنه مشهور بعمارته . والثاني : أنه ضمير الباري تعالى . و « لِلنَّاسِ » متعلق بالفعل قبله ، واللام فيه للعلة و « لَلَّذِي بِبَكَّةَ » خبر إنّ ، وأخبر هنا بالمعرفة وهو الموصول عن النكرة وهو « أَوَّلَ بَيْتٍ » لتخصيص النكرة بشيئين : الإضافة والوصف بالجملة بعده ، وهو جائز في باب إنّ ، ومن عبارة سيبويه « 3 » : « إنّ قريبا منك زيد » لمّا تخصص « قريبا » بوصفه بالجار بعده ساغ ما ذكرته لك ، وزاده حسنا هنا كونه اسما ل « إنّ » ، وقد جاءت النكرة اسما لإنّ وإن لم يكن تخصيص . قال : 1363 - وإنّ حراما أنّ أسبّ مجاشعا * بآبائي الشّمّ الكرام الخضارم « 4 » و بِبَكَّةَ صلة ، والباء فيه ظرفية أي : في مكة ، وبكّة فيها أوجه ، أحدها أنها مرادفة لمكة فأبدلت ميمها باء ، قالوا : والعرب تعاقب بين الباء والميم في مواضع ، قالوا : هذا عليّ ضربة لازم ولازب ، وهذا أمر راتب وراتم « 5 » ، والنّميط والنّبيط « 6 » ، وسبد رأسه وسمدها « 7 » ، وأعبطت الحمّى وأعمطت وقيل : اسم لبطن مكة ، وقيل : لمكان البيت ، وقيل : للمسجد نفسه ، وأيّدوا هذا بأن التباكّ وهو الازدحام إنما يحصل عند الطواف ، يقال : تباكّ الناس أي : ازدحموا . وهذا القول يفسده أن يكون الشيء ظرفا لنفسه ، كذا قال بعضهم ، وهو فاسد لأنّ البيت في المسجد حقيقة ، وسمّيت بكّة ، لازدحام الناس ، وقيل : لأنها تبكّ أعناق الجبابرة ، أي تدقّها ، وسمّيت مكة من قولهم : « تمكّكت المخّ من العظم » إذا استقصيته ولم تترك منه شيئا ، ومنه « امتكّ الفصيل ما في ضرع أمه » إذا لم يترك فيه لبنا ، وروي أنه قال : « لا تمكّكوا على غرمائكم » . ثم في تسميتها بذلك أوجه ، فقال ابن الأنباري : « سمّيت بذلك لقلة مائها وزرعها وقلة خصبها ، فهي مأخوذة من « مككت العظم » إذا لم تترك فيه شيئا . وقيل : لأنّ من ظلم فيها مكّة اللّه أي استقصاه بالهلاك . وقيل : لأنها وسط الأرض كالمخ وسط العظم ، وهذا قول الخليل بن أحمد ، وهو حسن . والمكّوك كأس يشرب به ويكال به كالصّواع . قوله : مُبارَكاً وَهُدىً حالان : إمّا من المضمر في « وُضِعَ » كذا أعربه أبو البقاء وغيره ، وفيه نظر ، من حيث إنه يلزم الفصل بين الحال وبين العامل فيها بأجنبي ، وهو خبر إنّ ، وذلك غير جائز لأنّ الخبر معمول لإنّ ، فإن أضمرت عاملا وهو « وُضِعَ » بعد « لَلَّذِي بِبَكَّةَ » أي « وُضِعَ » جاز ، والذي حمل على ذلك ما يعطيه تفسير أمير المؤمنين من أنه وضع

--> ( 1 ) انظر الكتاب 2 / 417 . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 135 ) . ( 3 ) انظر الكتاب 1 / 284 . ( 4 ) البيت للفرزدق انظر ديوانه ( 2 / 300 ) ، المقتضب ( 4 / 74 ) ، الدرر ( 1 / 88 ) ، الهمع ( 1 / 119 ) ، البحر المحيط ( 4 / 446 ) . ( 5 ) الراتب : المقيم . ( 6 ) النبيط : أول ما يظهر من ماء البئر . ( 7 ) سبد : حلق .