أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
166
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أنه خبر مقدم و « مِنْ ناصِرِينَ » مبتدأ مؤخر ، و « مِنْ » مزيدة على الإعرابين لوجود الشرطين في زيادتها . وأتى بناصرين جمعا لتوافق الفواصل . قوله تعالى : لَنْ تَنالُوا : النّيل : إدراك الشيء ولحوقه ، وقيل : هو العطية ، وقيل : هو تناول الشيء باليد . يقال : نلته أناله نيلا . قال تعالى : « وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا » « 1 » . وأمّا النّول بالواو فمعناه التناول ، يقال : نلته أنوله أي : تناولته ، وأنلته زيدا أنوله إياه أي : ناولته إياه ، كقولك : عطوته أعطوه بمعنى تناولته ، وأعطيته إياه ناولته إياه . وقوله : حَتَّى تُنْفِقُوا بمعنى إلى أن ، و « من » في « مِمَّا تُحِبُّونَ » تبعيضية ، يدلّ عليه قراءة عبد اللّه : « بعض ما تحبون » ، وهذه عندي ليست قراءة بل تفسير معنى . و « ما » موصولة وعائدها محذوف ، والقول بكونها نكرة موصوفة لا معنى له ، وقد جوّز ذلك أبو البقاء فقال : « أو نكرة موصوفة ، ولا تكون مصدرية لأنّ المحبة لا تنفق ، فإن جعلت المحبة بمعنى المفعول جاز على رأي أبي عليّ » يعني يبقى التقدير : من الشيء المحبوب ، وهذان الوجهان ضعيفان ، والأول أضعف . وقوله : وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ تقدم نظيره في البقرة « 2 » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 93 إلى 94 ] كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 93 ) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 94 ) وقوله تعالى : حِلًّا : الحلّ : بمعنى الحلال وهو في الأصل مصدر لحلّ يحلّ كقولك : عزّ يعزّ عزّا ، ثم يطلق على الأشخاص مبالغة ، ولذلك يستوي فيه الواحد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث كقوله تعالى : لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ « 3 » ، وفي الحديث عن عائشة رضي اللّه عنها : « كنت أطيّبه صلّى اللّه عليه وسلّم لحلّه ولحرمه » « 4 » أي : لإحلاله ولإحرامه ، وهو كالحرم واللّبس بمعنى الحرام واللباس ، قال تعالى : « وَحَرَّمَ » * وقرىء « وحرام » . و « لِبَنِي » متعلق بحلّ . قوله : إِلَّا ما حَرَّمَ مستثنى من اسم كان . وجوّز أبو البقاء أن يكون مستثنى من ضمير مستتر في « حِلًّا » فقال : « لأنه استثناء من اسم كان ، والعامل فيه « كانَ » ، ويجوز أن يعمل فيه « حِلًّا » ويكون فيه ضمير يكون الاستثناء منه ؛ لأن حلّا وحلالا في موضع اسم الفاعل بمعنى الجائز والمباح » . وفي هذا الاستثناء قولان ، أحدهما : أنه متصل ، والتقدير : إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه ، فحرّم عليهم في التوراة ، فليس فيها ما زادوه من محرمات وادعوا صحّة ذلك . والثاني : أنه منقطع ، والتقدير : لكن حرّم إسرائيل على نفسه خاصة ولم يحرّمه عليهم ، والأول هو الصحيح . قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلق بحرّم أي : إلا ما حرّم من قبل ، قاله أبو البقاء . قال
--> ( 1 ) سورة التوبة ، آية ( 120 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 272 ) . ( 3 ) سورة الممتحنة ، آية ( 10 ) . ( 4 ) أخرجه البخاري 3 / 396 ، كتاب الحج .