أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
165
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أن يعود على « ذَهَباً » قاله أبو البقاء . قال الشيخ « 1 » : ويوجد في بعض التفاسير أنها تعود على الملء أو على الذهب ، فقوله « أو على الذهب » غلط » قلت : كأن وجه الغلط فيه أنه ليس محدّثا عنه ، إنما جيء به بيانا وتفسيرا لغيره فضلة . الثالث : أن يعود على « مثل » محذوف ، قال الزمخشري : « ويجوز أن يراد « ولو افتدى بمثله » كقوله : « لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ » « 2 » والمثل يحذف في كلامهم كثيرا ، كقولك : « ضربت ضرب زيد » تريد مثل ضربه ، أبو يوسف أبو حنيفة » أي مثله ، و : 1362 - لا هيثم الّليلة للمطيّ * . . . « 3 » و « قضية ولا أبا حسن لها » تريد : لا مثل هيثم ولا مثل أبي حسن ، كما أنه يزاد في قولهم : « مثلك لا يفعل كذا » يريدون : أنت لا تفعل ، وذلك أن المثلين يسدّ أحدهما مسدّ الآخر ، فكانا في حكم شيء واحد » . قال الشيخ « 4 » : « ولا حاجة إلى تقدير « مثل » في قوله « وَلَوِ افْتَدى بِهِ » ، وكأن الزمخشري تخيّل أنّ ما نفي أن يقبل لا يمكن أن يفتدى به فاحتاج إلى إضمار « مثل » حتى يغاير بين ما نفي قبوله وبين ما يفتدى به ، وليس كذلك ؛ لأن ذلك كما ذكرناه على سبيل الفرض والتقدير ، إذ لا يمكن عادة أنّ أحدا يملك ملء الأرض ذهبا ، بحيث إنه لو بذله على أي جهة بذله لم يقبل منه ، بل لو كان ذلك ممكنا لم يحتج إلى تقدير « مثل » لأنه نفي قبوله حتى في حالة الافتداء ، وليس ما قدّر في الآية نظير ما مثّل به ، لأنّ هذا التقدير لا يحتاج إليه ولا معنى له ، ولا في اللفظ ولا في المعنى ما يدل عليه فلا يقدّر ، وأما ما مثّل به من نحو : « ضربت ضرب زيد ، وأبو يوسف أبو حنيفة » فبضرورة العقل نعلم أنه لا بد من تقدير « مثل » ، إذ ضربك يستحيل أن يكون ضرب زيد ، وذات أبي يوسف يستحيل أن تكون ذات أبي حنيفة ، وأما « لا هيثم الليلة للمطي » فدلّ على حذف « مثل » ما تقرّر في اللغة العربية أن « لا » التي لنفي الجنس لا تدخل على الأعلام فتؤثّر فيها فاحتيج إلى إضمار « مثل » لتبقى على ما تقرّر فيها ، إذ تقرّر فيها أنها لا تعمل إلا في الجنس ، لأن العلمية تنافي عموم الجنس ، وأما قوله : « كما يزاد في نحو : « مثلك لا يفعل » تريد أنت » فهذا قول قد قيل « به » ، ولكن المختار عند حذّاق النحوين أنّ الأسماء لا تزاد » . قلت : وهذا الاعتراض على طوله جوابه ما قاله أبو قاسم في خطبة كشافه : « فاللغوي وإن علك « 5 » اللغة بلحييه والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه إلى آخره » . قوله : أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يجوز أن يكون « لَهُمْ » خبرا لاسم الإشارة ، و « عَذابٌ » فاعل به ، وعمل لاعتماده على ذي خبر ، أي : أولئك استقر لهم عذاب ، وأن يكون « لَهُمْ » خبرا مقدما ، و « عَذابٌ » مبتدأ مؤخرا ، والجملة خبر عن اسم الإشارة ، والأول أحسن ، لأنّ الإخبار بالمفرد أقرب من الإخبار بالجملة ، والأول من قبيل الاخبار بالمفرد . قوله : وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ . يجوز أن يكون « مِنْ ناصِرِينَ » فاعلا ، وجاز عمل الجار لاعتماده على حرف النفي أي : وما استقر لهم من ناصرين .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 522 . ( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 36 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) انظر البحر المحيط 2 / 552 . ( 5 ) علك : علك الشيء يعلكه علكه : مضغه ولجلجه . اللسان : ( علك ) .