أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

164

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بطرح همزة « مِلْءُ » ، نقل حركتها إلى الساكن قبلها ، وبعضها يدغم نحو هذا ، أي : لام « مِلْءُ » في لام « الْأَرْضِ » بعروض التقائهما . والملء مقدار ما يملأ الوعاء ، والملء بفتح الميم هو المصدر . يقال : « ملأت القربة أملؤها ملئا » ، والملاءة الملحفة بضم الميم والمد . و ذَهَباً العامة على نصبه تمييزا ، وقال الكسائي : « على إسقاط الخافض » وهذا كالأول ، لأنّ التمييز مقدّر ب « مِنْ » واحتاجت « مِلْءُ » إلى تفسير لإبهامها ، لأنها دالة على مقدار . كالقفيز والصّاع . وقرأ الأعمش « ذهب » بالرفع ، قال الزمخشري : « ردّا على « مِلْءُ » كما يقال : « عندي عشرون نفسا رجال » يعني بالرد البدل ، ويكون بدل نكرة من معرفة . قال الشيخ « 1 » : ولذلك ضبط الحذّاق قوله « لك الحمد ملء السماوات » بالرفع ، على أنه نعت للحمد ، واستضعفوا نصبه على الحال لكونه معرفة » قلت : ولا يتعيّن نصبه على الحال حتى يلزم ما ذكره من الضعف ، بل هو منصوب على الظرف ، أي : إنّ الحمد يقع ملئا للسموات وللأرض . قوله : وَلَوِ افْتَدى الجمهور على ثبوت الواو وهي واو الحال ، قال الزمخشري : « فإن قلت : كيف موقع قوله : « وَلَوِ افْتَدى بِهِ » ؟ قلت : هو كلام محمول على المعنى كأنه قيل : فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض » . انتهى . والذي ينبغي أن يحمل عليه أن اللّه تعالى أخبر أنّ من مات كافرا لا يقبل منه ما يملأ الأرض من ذهب ، على كل حال يقصدها ولو في حال افتدائه من العذاب ، وذلك أنّ حالة الافتداء حالة لا يمتنّ فيها المفتدي على المفتدى منه إذ هي حالة قهر من المفتدى منه للمفتدي . قال الشيخ « 2 » : « وقد قرّرنا في نحو هذا التركيب أنّ « لو » تأتي منبّهة على أنّ ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء ، وما بعدها جاء تنصيصا على الحالة التي يظنّ أنها لا تندرج فيما قبلها ، كقوله عليه السّلام : « أعطوا السائل ولو جاء على فرس » « 3 » و « ردّوا السائل ولو بظلف محرق » « 4 » ، كأنّ هذه الأشياء كان ممّا ينبغي أن يؤتى بها ، لأنّ كون السائل على فرس يشعر بغناه فلا يناسب أن يعطى ، وكذلك الظّلف المحرق لا غناء فيه ، فكان يناسب ألّا يردّ به السائل » . وقيل : الواو هنا زائدة ، وقد يتأيّد هذا بقراءة ابن أبي عبلة « لو افتدى به » دون واو ، ومعناها أنه جعل الافتداء شرطا في عدم القبول فلم يتعمّم نفي وجود القبول . و « لَوِ » قيل : هي هنا شرطية بمعنى إن ، لا التي معناها لما كان سيقع لوقوع غيره ، لأنها معلّقة بمستقبل ، وهو قوله : « فلن يقبل » وتلك معلّقة بالماضي . وافتدى : افتعل من لفظ الفدية وهو متعدّ لواحد لأنه بمعنى فدى ، فيكون افتعل فيه وفعل بمعنى نحو : شوى واشتوى ، ومفعوله محذوف تقديره : افتدى نفسه . والهاء في « به » فيها أقوال : أظهرها : عودها على « مِلْءُ » لأنه مقدار ما يلمؤها ، أي : ولو افتدى بملء الأرض .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 520 . ( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 521 . ( 3 ) تقدم تخريمه . ( 4 ) أخرجه النسائي 5 / 81 ، وأحمد في المسند 4 / 70 ، والبيهقي في السنن 4 / 177 ، وابن حبان ( 825 ) .