أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

161

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

1358 - فهذي سيوف يا صدّيّ بن مالك * كثير ولكن كيف بالسّيف ضارب « 1 » قوله : وَشَهِدُوا في هذه الجملة ثلاثة أوجه : أحدها : أنها معطوفة على « كَفَرُوا » و « كَفَرُوا » في محلّ نصب نعتا لقوما ، أي : كيف يهدي من جمع بين هذين الأمرين ، وإلى هذا ذهب ابن عطية والحوفي وأبو البقاء ، إلا أنّ مكيّا قد ردّ هذا الوجه فقال : « لا يجوز عطف « شَهِدُوا » على « كَفَرُوا » لفساد المعنى » ، ولم يبيّن جهة الفساد فكأنه فهم الترتيب بين الفكرة والشهادة ، فلذلك فسد المعنى ، وهذا غير لازم ، فإنّ الواو لا تقتضي ترتيبا ، ولذلك قال ابن عطية : « المعنى مفهوم أنّ الشهادة قبل الكفر والواو لا ترتّب » . الثاني : أنها في محلّ نصب على الحال من واو « كَفَرُوا » ، والعامل فيها الرافع لصاحبها ، و « قد » مضمرة معها على رأي ، أي : كفروا وقد شهدوا ، وإليه ذهب جماعة كالزمخشري وأبي البقاء وغيرهما ، قال أبو البقاء : « ولا يجوز أن يكون العامل « يَهْدِي » لأنه يهدي من شهد أن الرسول حق ، يعني أنه لا يجوز أن يكون حالا من « قَوْماً » ، والعامل في الحال « يَهْدِي » لما ذكر من فساد المعنى . الثالث : أن يكون معطوفا على « إِيمانِهِمْ » لما تضمّنه من الانحلال لجملة فعلية ، إذ التقدير : بعد أن آمنوا وشهدوا ، وإلى هذا ذهب جماعة ، قال الزمخشري : « أن يعطف على ما في « إِيمانِهِمْ » من معنى الفعل ، لأن معناه : بعد أن آمنوا ، كقوله تعالى : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ « 2 » وقوله : 1359 - مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة * ولا ناعب إلّا ببين غرابها « 3 » انتهى . وجه تنظيره ذلك بالآية والبيت توهّم وجود ما يسوّغ العطف عليه في الجملة ، كذا يقول النحاة : جزم على التوهم أي : لسقوط الفاء ، إذ لو سقطت لانجزم في جواب التحضيض ، وكذا يقولون : توهّم وجود الباء فجرّ ، وفي العبارة بالنسبة إلى القرآن سوء أدب ، ولكنهم لم يقصدوا ذلك حاش للّه ، وكان تنظير الزمخشري بغير ذلك أولى كقوله : إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا « 4 » ، إذ هو في قوة : إن الذين صدقوا وأقرضوا ، وفي هذه الآية بحث سيمر بك إن شاء اللّه تعالى . وقال الواحدي : « عطف الفعل على المصدر ؛ لأنه أراد بالمصدر الفعل تقديره : كفروا باللّه بعد أن آمنوا ، فهو عطف على المعنى كما قال : 1360 - للبس عباءة وتقرّ عيني * أحبّ إليّ من لبس الشّفوف « 5 » معناه : لأن ألبس وتقرّ عيني » فظاهر عبارة الزمخشري والواحدي أن الأول يؤوّل لأجل الثاني ، وهذا ليس بظاهر ، لأنّا إنما نحتاج إلى ذلك لكون الموضع يطلبه فعلا كقوله : « إنّ المصّدّقين » لأنّ الموصول يطلب جملة فعلية فاحتجنا أن

--> ( 1 ) انظر البيت في معاني الفراء 1 / 164 ، ابن الشجري 1 / 267 ، البحر المحيط 2 / 518 . ( 2 ) سورة المنافقون ، آية ( 10 ) . ( 3 ) البيت للأخوص الرياحي انظر الكتاب ( 1 / 165 ) ، في ( 3 / 29 ) ، للفرزدق ، الخصائص ( 2 / 354 ) ، ابن يعيش ( 2 / 52 ) ، الإنصاف ( 1 / 193 ) ، المغني ( 2 / 475 ) ، الأشموني ( 2 / 235 ) ، الجاحظ في البيان ( 2 / 261 ) ، الخزانة ( 4 / 158 ) ، روح المعاني ( 12 / 98 ) . ( 4 ) سورة الحديد ، آية ( 18 ) . ( 5 ) تقدم .