أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

162

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

نتأوّل اسم الفاعل بفعل ، وعطفنا عليه « وأقرضوا » ، وأما « بَعْدَ إِيمانِهِمْ » وقوله « للبس عباءة » فليس مكان الاسم محتاجا إلى فعل ، فالذي ينبغي : أن نتأول الثاني باسم ليصحّ عطفه على الاسم الصريح قبله ، وتأويله بأن نأتي معه ب « أن » المصدرية مقدرة ، تقديره : بعد إيمانهم وأن شهدوا ، أي : وشهادتهم ، ولهذا تأوّل النحويون قولها : « للبس عباءة وتقرّ » : وأن تقرّ ، إذ التقدير : وقرة عيني ، وإلى هذا الذي ذكرته ذهب أبو البقاء فقال : « التقدير : بعد أن آمنوا وأن شهدوا ، فيكون في موضع جرّ » . انتهى ، يعني أنه على تأويل مصدر معطوف على المصدر الصريح المجرور بالظرف ، وكلام الجرجاني فيه ما يشهد لهذا ويشهد لتقدير الزمخشري فإنه قال : « قوله « وَشَهِدُوا » منسوق على ما يمكن في التقدير ، وذلك أنّ قوله « بَعْدَ إِيمانِهِمْ » يمكن أن يكون بعد « أن آمنوا » وأن الخفيفة مع الفعل بمنزلة المصدر كقوله : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ « 1 » أي : والصوم ، ومثله ممّا حمل فيه على المعنى قوله تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ فهو عطف على قوله : إِلَّا وَحْياً ، ويمكن فيه : إلا أن يوحى إليه ، فلما كان قوله إِلَّا وَحْياً بمعنى : إلا أن يوحى إليه حمله على ذلك ، ومثله من الشعر قوله : 1361 - فظلّ طهاة اللّحم من بين منضج * صفيف شواء أو قدير معجّل « 2 » خفض قوله « قدير » لأنه عطف على ما يمكن في قوله « منضج » لأنه أمكن أن يكون مضافا إلى الصفيف فحمله على ذلك » قلت : فإتيانه بهذا البيت نظير إتيان الزمخشري بالآية الكريمة والبيت المتقدمين ، لأنه جرّ « قدير » هنا على التوهم ، كأنه توهّم إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله تخفيفا فجرّ على التوهم ، كما توهّم الآخر وجود الباء في قوله : « ليسوا مصلحين » ، لأنها كثيرا ما تزاد في خبر ليس . وقوله : « أن الرسول » الجمهور على أنه وصف بمعنى المرسل ، وقيل : هو بمعنى الرسالة فيكون مصدرا وقد تقدّم ذلك . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 87 إلى 89 ] أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 87 ) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 88 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 89 ) قوله تعالى : جَزاؤُهُمْ : يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن يكون مبتدأ ثانيا ، و « أَنَّ عَلَيْهِمْ » إلى آخره في محلّ رفع خبرا لجزاؤهم ، والجملة خبر لأولئك . والثاني : أن يكون « جَزاؤُهُمْ » بدلا من « أُولئِكَ » بدل اشتمال ، و « أَنَّ عَلَيْهِمْ » إلى آخره خبر أولئك . وقال هنا : جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وهناك : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ « 3 » دون « جَزاؤُهُمْ » قيل : لأنّ هناك وقع الإخبار عمّن توفي على الكفر ، فمن ثم حتّم اللّه عليه اللعنة بخلافه هنا ، فإنّ سبب النزول في قوم ارتدّوا ثم رجعوا للإسلام . ومعنى « جَزاؤُهُمْ » أي : جزاء كفرهم وارتدادهم . وتقدّم قراءة الحسن « والناس أجمعون » « 4 » وتخريجها . وقوله تعالى : خالِدِينَ حال من الضمير في « عَلَيْهِمْ » والعامل فيها الاستقرار أو الجارّ لقيامه مقام الفعل وتقدّمت

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 51 ) . ( 2 ) البيت من امرئ القيس انظر ديوانه ( 22 ) ، شرح المعلقات لابن النحاس ص 41 . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 161 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 161 ) .