أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

160

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

العام البسط دون الإيجاز بخلاف الخطاب هنا فإنه خاصّ فلذلك اكتفى فيه بالإيجاز دون الإطناب . وباقي كلمات جمل الآية تقدّم الكلام عليها في البقرة . قوله تعالى : يَبْتَغِ غَيْرَ : العامّة على إظهار هذين المثلين ؛ لأن بينهما فاصلا فلم يلتقيا في الحقيقة ، وذلك الفاصل هو الياء التي حذفت للجزم ، وروي عن أبي عمرو فيها الوجهان : الإظهار على الأصل ولمراعاة الفاصل الأصلي ، والإدغام مراعاة للّفظ ، إذ يصدق أنهما التقيا في الجملة ، ولأنّ ذلك الفاصل مستحقّ الحذف لعامل الجزم ، وليس هذا مخصوصا بهذه الآية بل كلما التقى فيه مثلان بسبب حذف حرف ، لعلّة اقتضت ذلك جرى فيها الوجهان نحو : يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ « 1 » وَإِنْ يَكُ كاذِباً « 2 » وقد استشكل على هذا نحو : يا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ « 3 » و يا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي « 4 » فإنه لم يرو عن أبي عمرو خلاف في إدغامهما ، وكان القياس يقتضي جواز الوجهين لأنّ ياء المتكلم فاصلة تقديرا . قوله : دِيناً فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مفعول يبتغ ، و « غَيْرَ الْإِسْلامِ » حال لأنها في الأصل صفة له ، فلمّا قدّمت عليه نصبت حالا . الثاني : أن يكون تمييزا لغير لإبهامها ، فميّزت كما ميّزت « مثل » و « شبه » وأخواتهما ، وسمع من العرب : « إنّ لنا غيرها إبلا وشاء » . والثالث : أن يكون بدلا من « غَيْرَ » ، وعلى هذين الوجهين فغير الإسلام هو المفعول به ليبتغ . وقوله : وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ كقوله : وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ « 5 » في الإعراب وسيأتي ما بينهما في المعنى . وقيل : « أل » معرفة لا موصولة فلم يمنع من تعلّق ما قبلها ، بما بعدها . وهذه الجملة يجوز أن لا يكون لها محلّ لاستئنافها ، ويجوز أن تكون في محل جزم نسقا على جواب الشرط وهو « فَلَنْ يُقْبَلَ » ، ويكون قد ترتّب على ابتغاء غير الإسلام دينا عدم القبول والخسران . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 86 ] كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 86 ) وقوله تعالى : كَيْفَ يَهْدِي : كقوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ « 6 » وقيل : الاستفهام هنا معناه النفي ، وأنشد : 1357 - كيف نومي على الفراش ولمّا * تشمل الشام غارة شعواء « 7 » وقول الآخر :

--> ( 1 ) سورة يوسف ، آية ( 9 ) . ( 2 ) سورة غافر ، آية ( 28 ) . ( 3 ) سورة غافر ، آية ( 41 ) . ( 4 ) سورة هود ، آية ( 30 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 130 ) . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 28 ) . ( 7 ) البيت لعبيد اللّه بن قيس الرقيات انظر ديوانه ( 95 ) ابن يعيش 9 / 36 ، ابن الشجري 1 / 383 ، الكشاف .