أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

157

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الأول الياء للّه تعالى وعلى الثاني للنبي . وقرأ العامة « إِصْرِي » بكسر الهمزة وهي الفصحى ، وقرأ أبو بكر عن عاصم في رواية : « إِصْرِي » بضمها ، ثم المضموم الهمزة يحتمل أن يكون لغة في المكسور وهو الظاهر ، ويحتمل أن يكون جمع إصار ، ومثله أزر في جمع إزار ، وقد تقدّم في أواخر البقرة الكلام عليه مشبعا « 1 » وقوله : أَقْرَرْنا أي : بالإيمان به وبنصرته . وفي الكلام حذف جملة أيضا ، حذفت لدلالة ما تقدّم عليها ، إذ التقدير : قالوا أقررنا وأخذنا إصرك على ذلك كله . وقوله : فَاشْهَدُوا هذه الفاء عاطفة على جملة مقدرة تقديره : قال : أأقررتم فاشهدوا ، ونظير ذلك : « ألقيت زيدا » ؟ قال : « لقيته » ، قال : « فأحسن إليه » ، التقدير : ألقيت زيدا فأحسن إليه ، فما فيه الفاء بعض المقول ، ولا جائز أن يكون كلّ المقول لأجل الفاء ، ألا ترى قوله : « قالَ : أَ أَقْرَرْتُمْ » وقوله « قالوا : أقررنا » لمّا كان كلّ المقول لم يدخل الفاء ، قاله الشيخ « 2 » ، والمعنى واضح بدونه . قوله : مِنَ الشَّاهِدِينَ هذا هو الخبر لأنّه محطّ الفائدة ، وأمّا قوله « مَعَكُمْ » فيجوز أن يكون حالا أي : وأنا من الشاهدين مصاحبا لكم ، ويجوز أن يكون منصوبا بالشاهدين ظرفا له عند من يرى تجويز ذلك ، ويمتنع أن يكون هو الخبر إذ الفائدة به غير تامة في هذا المقام ، والجملة من قوله : « وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ » يجوز ألّا يكون لها محلّ لاستئنافها ، ويجوز أن تكون في محلّ نصب على الحال من فاعل « فَاشْهَدُوا » . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 82 إلى 83 ] فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 82 ) أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 83 ) قوله تعالى : فَمَنْ تَوَلَّى يجوز أن تكون « من » شرطية فالفاء في « فَأُولئِكَ » جوابها ، وأن تكون موصولة ، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ باسم الشرط ، فالفعل بعدها على الأول في محل جزم ، وعلى الثاني لا محلّ له لكونه صلة ، وأما « فَأُولئِكَ » ففي محلّ جزم أيضا على الأول ورفع على الثاني لوقوعه خبرا ، و « هُمُ » يجوز أن يكون فصلا وأن يكون مبتدأ وهذه الأشياء واضحة ممّا تقدّم ، فلذلك لم أوغل في بيانها . قوله تعالى : أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ : قد تقدم أن الجمهور يجعلون الهمزة مقدمة على الفاء للزومها الصدر ، والزمخشري يقرّها على حالها ويقدّر محذوفا قبلها ، وهنا جوّز وجهين : أحدهما : أن تكون الفاء عاطفة جملة على جملة ، والمعنى : فأولئك هم الفاسقون فغير دين اللّه يبغون ، ثم توسّطت الهمزة بينهما . والثاني : أن يعطف على محذوف تقديره : أيتولّون فغير دين اللّه يبغون ، وقدّم المفعول الذي هو « غير » على فعله لأنه أهمّ من حيث إنّ الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل ، هذا كلام الزمخشري .

--> ( 1 ) انظر تفسير الآية رقم ( 286 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 514 .