أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
158
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قال الشيخ « 1 » : « ولا تحقيق فيه لأنّ الإنكار الذي هو معنى الهمزة لا يتوجّه إلى الذوات ، إنما يتوجّه إلى الأفعال التي تتعلّق بالذوات ، فالذي أنكر إنما هو الابتغاء الذي متعلّقه غير دين اللّه ، وإنما جاء تقديم المفعول من باب الاتساع ، ولشبه يبغون بالفاصلة بآخر الفعل » قلت : وأين المعنى من المعنى ؟ وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم : « يَبْغُونَ » بالياء من تحت نسقا على قوله : « هُمُ الْفاسِقُونَ » والباقون بياء الخطاب التفاتا . قوله : وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ جملة حالية أي : كيف يبغون غير دينه والحال هذه ؟ قوله : طَوْعاً وَكَرْهاً فيهما وجهان : أحدهما : أنهما مصدران في موضع الحال والتقدير : طائعين وكارهين . والثاني : أنهما مصدران على غير الصدر قال أبو البقاء : « لأنّ أسلم بمعنى انقاد وأطاع » . وتابع الشيخ « 2 » على هذا ، وفيه نظر من حيث إنّ هذا ماش في « طَوْعاً » لموافقته لمعنى الفعل قبله ، وأمّا « كَرْهاً » فكيف يقال فيه ذلك ، والقول بأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل غير نافع هنا . ويقال : طاع يطوع ، وأطاع يطيع بمعنى . وقيل : طاعه يطوعه انقاد له ، وأطاعه أي : رضي لأمره ، وطاوعه أي : وافقه . وقرأ الأعمش : « كرها » بالضم ، وسيأتي أنها قراءة للأخوين في سورة النساء « 3 » ، وللكوفيين وابن ذكوان في الأحقاف « 4 » ، وهناك تكلّمنا عليها ، وتقدم لنا أيضا ذكر هذه المادة في البقرة « 5 » . قوله : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة فلا محلّ لها ، وإنما سيقت للإخبار بذلك لتضمّنها معنى التهديد العظيم والوعيد الشديد ، ويجوز أن تكون معطوفة على الجملة من قوله : « وَلَهُ أَسْلَمَ » فتكون حالا أيضا ، ويكون المعنى أنه نعى عليهم ابتغاء غير دين من أسلم له جميع من في السماوات والأرض طائعين ومكرهين ومن مرجعهم إليه . وقرأ حفص عن عاصم : « يُرْجَعُونَ » بياء الغيبة ويحتمل ذلك وجوها : أحدها : أن يعود الضمير على من أسلم وهو واضح . الثاني : أن يعود على من عاد عليه ضمير « يَبْغُونَ » في قراءة من قرأه بالغيبة ، وهو أيضا واضح ، ولا التفات في هذين الوجهين . والثالث : أن يعود على من عاد عليه الضمير في « تبغون » في قراءة الخطاب فيكون التفاتا حينئذ . وقرأ الباقون : « تبغون » بالخطاب ، فمن قرأ « تبغون » بالخطاب فهو واضح ، ومن قرأه بالغيبة فيكون هذا التفاتا منه ، ويجوز أن يكون التفاتا من قوله : « مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 515 . ( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 516 . ( 3 ) عند سورة النساء ، آية ( 19 ) . ( 4 ) عند سورة الأحقاف ، آية ( 15 ) . ( 5 ) عند آية رقم ( 216 ) .