أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
156
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
نظر بالنسبة إلى ادعائه زيادة « من » فإن التركيب يقلق على ذلك ، ويبقى المعنى غير ظاهر . الرابع : أنّ الأصل أيضا : لمن ما ، ففعل به ما تقدم من القلب والإدغام ثم الحذف ، إلا أن « من » ليست زائدة بل هي تعليليّة ، قال الزمخشري : « ومعناه لمن أجل ما آتيتكم لتؤمننّ به ، وهذا نحو من قراءة حمزة في المعنى » قلت : وهذا الوجه أوجه ممّا تقدّمه لسلامته من ادّعاء زيادة « من » ولوضوح معناه . قال الشيخ « 1 » : « وهذا التوجيه في غاية البعد وينزّه كلام العرب أن يأتي فيه مثله فكيف في كتاب اللّه عزّ وجلّ ! وكان ابن جني كثير التمحّل في كلام العرب ، ويلزم في « لمّا » هذه على ما قرره الزمخشري أن تكون اللام في « لمن ما آتيناكم » زائدة ، ولا تكون اللام الموطئة ، لأنّ الموطئة إنما تدخل على أدوات الشرط لا على حرف الجر ، ولو قلت : « أقسم باللّه لمن أجلك لأضربن زيدا » لم يجز ، وإنما سمّيت موطئة لأنها توطّىء ما يصلح أن يكون جوابا للشرط للقسم ، فيصير جواب الشرط إذ ذاك محذوفا لدلالة جواب القسم عليه » قلت : قد تقدّم له هو أنّ « ما » في هذه القراءة أن تكون موصولة بمعنى الذي ، وأن اللام معها موطئة للقسم ، وقد حصر هنا لأنها لا تدخل إلا على أدوات الشرط فأحد الأمرين لازم له ، وقد قدّمت أنّ هذا هو الإشكال على من جعل « ما » موصولة وجعل اللام موطئة . وقرأ نافع : « آتيناكم » بضمير المعظّم نفسه ، والباقون : « آتَيْتُكُمْ » بضمير المتكلم وحده ، وهو موافق لما قبله وما بعده من صيغة الإفراد في قوله : « وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ » ، وجاء بعده « إِصْرِي » . وفي قوله « آتَيْتُكُمْ » أو « آتيناكم » على كلا القراءتين التفاتان أحدهما : الخروج من الغيبة إلى التكلم في قوله آتينا أو آتيت ، لأنّ قبله ذكر الجلالة المعظمة في قوله : « وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ » ، والثاني : الخروج من الغيبة إلى الخطاب في قوله « آتيناكم » لأنه قد تقدّمه اسم ظاهر وهو « النَّبِيِّينَ » ، إذ لو جرى على مقتضى تقدّم الجلالة والنبيين لكان التركيب : وإذ أخذ اللّه ميثاق النبيين لما آتاهم من كتاب كذا ، قال بعضهم : « وفيه نظر لأنّ مثل هذا لا يسمى التفاتا في اصطلاحهم ، وإنما يسمى حكاية الحال ، ونظيره قولك : حلف زيد ليفعلنّ ولأفعلن ، فالغيبة مراعاة لتقدّم الاسم الظاهر ، والتكلّم حكاية لكلام الحالف ، والآية الكريمة من هذا » . وأصل لتؤمننّ به ولتنصرنّه : لتؤمنوننّ ولتنصروننّ ، فالنون الأولى علامة الرفع ، والمشددة بعدها للتوكيد ، فاستثقل توالي ثلاثة أمثال فحذفوا نون الرفع لأنها ليست في القوة كالتي للتوكيد ، فالتقى بحذفها ساكنان ، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين . وقرأ عبد اللّه : « مصدّقا » نصب على الحال من النكرة ، وقد قاسه سيبويه « 2 » وإن كان المشهور عنه خلافه ، وحسّن ذلك هنا كون النكرة في قوة المعرفة من حيث إنه أريد بها شخص معين وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . واللام في « لما » زائدة لأنّ العامل فرع وهو مصدّق والأصل : مصدّق ما معكم . قوله : قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ : فاعل « قالَ » يجوز أن يكون ضمير اللّه تعالى وهو الظاهر ، وأن يكون ضمير النبي الذي هو واحد النبيين ، خاطب بذلك أمته ، ومتعلّق الإقرار محذوف ، أي : أأقررتم بذلك كله ، والاستفهام على الأول مجاز ، إذ المراد به التقرير والتوكيد عليهم لاستحالته في حق الباري تعالى ، وعلى الثاني هو استفهام حقيقة ، و « إِصْرِي » على
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 512 . ( 2 ) انظر الكتاب 1 / 272 .