أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
148
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
شعراني ولحياني ورقباني » وفي التفسير : « كونوا فقهاء علماء » ، ولمّا مات ابن عباس قال محمد بن الحنفية « 1 » : « مات اليوم ربّانيّ هذه الأمة » . قوله : بِما كُنْتُمْ الباء سببية أي : كونوا علماء بسبب كونكم . وفي متعلّق هذه الباء حينئذ أقوال : أحدها : أنه متعلقة بكونوا ، كذا ذكره أبو البقاء والخلاف مشهور . الثاني : أن تعلق بربانيين ، لأنّ فيه معنى الفعل . الثالث : أن تتعلّق بمحذوف على أنها صفة لربانيين ذكره أبو البقاء وليس بواضح المعنى . و « ما » مصدرية ، وظاهر كلام الشيخ « 2 » أنه يجوز أن تكون غير ذلك ، فإنه قال : « وما الظاهر أنها مصدرية » فهذا يجوّز غير ذلك ، وجوازه فيه بعد ، وهو أن تكون موصولة ، وحينئذ تحتاج إلى عائد وهو مقدّر ، أي : بسبب الذي تعلّمون به الكتاب ، وقد نقص شرط وهو اتحاد المتعلّق فلذلك لم يظهر جعلها غير مصدرية . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : « تعلمون » مفتوح حرف المضارعة ، ساكن العين مفتوح اللام من : علم يعلم ، أي : تعرفون فيتعدى لواحد ، وباقي السبعة بضم حرف المضارعة وفتح العين وتشديد اللام مكسورة ، فيتعدى لاثنين أولهما محذوف ، تقديره : تعلّمون الناس والطالبين للكتاب ، ويجوز ألّا يراد مفعول أي : كنتم من أهل تعليم الكتاب ، وهو نظير : « أطعم الخبز » المقصود الأهمّ إطعام الخبز من غير نظر إلى من يطعمه ، فالتضعيف فيه للتعدية . وقد رجّح جماعة هذه القراءة على قراءة نافع بأنها أبلغ ؛ وذلك أنّ كلّ معلّم عالم ، وليس كلّ عالم معلما ، فالوصف بالتعليم أبلغ ، وبأن قبله ذكر الربانيين ، والربّانيّ يقتضي أن يعلم ويعلّم غيره ، لا أن يقتصر بالعلم على نفسه . ورجّح بعضهم الأولى بأنه لم يذكر إلا مفعول واحد والأصل عدم الحذف ، والتخفيف مسوّغ لذلك بخلاف التشديد ، فإنه لا بد من تقدير مفعول ، أيضا فهو أوفق لتدرسون . والقراءتان متواترتان فلا ينبغي ترجيح أحديهما على الأخرى ، وقد قدّمت ذلك في أوائل هذا الموضوع . وقرأ الحسن ومجاهد : « تعلّمون » بفتح التاء والعين واللام مشددة من « تعلّم » والأصل : تتعلّمون بتاءين فحذفت إحداهما . و « بِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ » كالذي قبله . والعامة على « تَدْرُسُونَ » بفتح التاء وضم الراء من الدّرس وهو مناسب لتعلمون من علم ثلاثيا ، قال بعضهم : « كان حقّ من قرأ « تُعَلِّمُونَ » بالتشديد أن يقرأ : « تدرّسون » بالتشديد وليس بلازم ، إذ المعنى : كنتم تعلّمون غيركم ثم صرتم تدرسون ، وبما كنتم تدرسونه عليهم : تتلونه عليهم كقوله تعالى : « لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ » « 3 » . وقرأ أبو حيوة في إحدى الروايتين عنه : « تدرسون » بكسر الراء وهي لغة ضعيفة ، يقال : درس العلم يدرسه بكسر العين في المضارع وهما لغتان في مضارع درس ، وقرأ هو أيضا في رواية : « تدرّسون » من درّس بالتشديد وفيه ، وجهان ، أحدهما : أن يكون التضعيف فيه للتكثير ، فيكون موافقا لقراءة تعلمون بالتخفيف . والثاني : أن التضعيف للتعدية
--> ( 1 ) محمد بن علي بن أبي طالب أبو القاسم بن الحنفية وردت الرواية عنه في حروف القرآن توفي سنة ( 73 ) انظر غاية النهاية 2 / 204 . ( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 506 . ( 3 ) سورة الإسراء ، آية ( 106 ) .