أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
149
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ويكون المفعولان محذوفين لفهم المعنى ، والتقدير تدرّسون غيركم العلم أي : تحملونهم على الدّرس . وقرىء « تدرسون » « 1 » من أدرس ، كتكرمون من أكرم على أنّ أفعل بمعنى فعّل بالتشديد ، فأدرس ودرّس واحد كأكرم وكرّم وأنزل ونزّل . والدّرس : التّكرار والإدمان على الشيء ومنه : درس زيد الكتاب والقرآن يدرسه ويدرسه أي كرّر عليه ، ويقال : درست الكتاب أي : تناولت أثره بالحفظ . ولمّا كان ذلك بمداومة القرآن عبّر عن إدامة القرآن بالدّرس ، ودرس المنزل : ذهب أثره وطلل عاف ودارس بمعنى . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 80 ] وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 80 ) قوله تعالى : وَلا يَأْمُرَكُمْ : وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بنصب « يَأْمُرَكُمْ » والباقون بالرفع ، وأبو عمرو على أصله من جواز تسكين الراء والاختلاس ، وهي قراءة واضحة سهلة التخريج والمعنى ، وذلك أنها على القطع والاستئناف ، أخبر تعالى بأن ذلك الأمر لا يقع . والفاعل فيه احتمالان : أحدهما : وهو ضمير اللّه تعالى . والثاني هو ضمير « بشر » الموصوف بما تقدّم ، والمعنى على عوده على « بشر » أنه لا يقع من بشر موصوف بما وصف به أن يجعل نفسه ربا فيعبد ، ولا يأمر أيضا أن تعبد الملائكة والأنبياء من دون اللّه ، فانتفى أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه وإلى عبادة غيره . والمعنى على عوده على اللّه تعالى أنه أخبر أنه لم يأمر بذلك فانتفى أمر اللّه وأمر أنبيائه بعبادة غيره تعالى . وأمّا قراءة النصب ففيها أوجه : أحدها : قول أبي علي وغيره ، وهو أن يكون المعنى : ولا له أن يأمركم ، فقدّروا « أَنْ » تضمر بعد « لا » وتكون « لا » مؤكّدة لمعنى النفي السابق كما تقول : « ما كان من زيد إتيان ولا قيام » وأنت تريد انتفاء كلّ واحد منهما عن زيد ، فلا للتوكيد لمعنى النفي السابق ، وبقي معنى الكلام : ما كان من زيد إتيان ولا منه قيام . الثاني : أن يكون نصبه لنسقه على « يؤتيه » قال سيبويه « 2 » : « والمعنى : وما كان لبشر أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة » . قال الواحدي : « ويقوّي هذا الوجه ما ذكرنا أن اليهود قالت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أتريد يا محمد أن نتّخذك ربا فنزلت » الثالث : أن يكون معطوفا على « يقول » في قراءة العامة قاله الطبري : قال ابن عطية : « وهذا خطأ لا يلتئم به المعنى » ولم يبيّن أبو محمد وجه الخطأ ولا عدم التئام المعنى . قال الشيخ « 3 » : « وجهة الخطأ أنه إذا كان معطوفا على « يقول » وجعل « لا » للنفي على سبيل التأسيس لا على سبيل التأكيد فلا يمكن أن يقدّر الناصب وهو « أَنْ » إلا قبل « لا » النافية ، وإذا قدّرها قبلها انسبك منها ومن الفعل المنتفي ب « لا » مصدر منفيّ ، فيصير المعنى : ما كان لبشر موصوف بما وصف به انتفاء أمره باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا ، وإذا لم يكن
--> ( 1 ) وهي قراءة أبي حيوة كما ورد في تفسير القرطبي 4 / 123 . ( 2 ) انظر الكتاب 1 / 430 . ( 3 ) انظر البحر المحيط 2 / 507 .