أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

142

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقول الآخر : 1348 - وأغبر الظّهر ينبي عن وليّته * ما حجّ ربّه في الدّنيا ولا اعتمرا « 1 » وقد تقدّم أنها لغة عقيل وكلاب أيضا . وأمّا قراءة الباقين فواضحة . وقرأ الزهري : « يؤدّهو » بضم الهاء بعدها واو ، وقد تقدّم أن هذا هو الأصل في هاء الكناية ، وقرأ سلام « 2 » كذلك ، إلا أنه ترك الواو فاختلس ، وهما نظيرتا قراءتي : « يؤدهي ويؤده » بالإشباع والاختلاس مع الكسر . واعلم أن هذه الهاء متى جاءت بعد فعل مجزوم أو أمر معتل الآخر جرى فيها هذه الأوجه الثلاثة - أعني السكون والاختلاس والإشباع - من ذلك : « نُؤْتِهِ مِنْها » « 3 » « يَرْضَهُ لَكُمْ » « 4 » « نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ » « 5 » « فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ » « 6 » ، وقد جاء ذلك في قراءة السبعة أعني الأوجه الثلاثة في بعض هذه الكلمات ، وبعضها لم يأت فيه إلا وجهان ، وسيأتي ذلك مفصّلا في سوره إن شاء اللّه تعالى ، والسر فيه أن الهاء التي للكناية متى سبقها متحرك فالفصيح فيها الأشباع نحو : إنه ، وبه ، وله ، وإن سبقها ساكن فالأشهر الاختلاس ، وسواء كان ذلك الساكن صحيحا أو معتلا نحو : فيه ومنه ، وبعضهم يفرّق بين المعتل والصحيح ، وقد أتقنت ذلك في أول الكتاب ، إذا علم ذلك فنقول : هذه الكلمات المشار إليها إن نظرنا إلى اللفظ فقد وقعت بعد متحرك فحقّها أن تشبع حركتها موصولة بالياء أو الواو ، وإن سكنت فلما تقدّم من إجراء الوصل مجرى الوقف ، وإن نظرنا إلى الأصل فقد سبقها ساكن وهو حرف العلة المحذوف للجزم ، فلذلك جاز الاختلاس ، وهذا أصل نافع يطّرد معك عند قربك في هذا الكتاب من هذه الكلمات . قوله : بِدِينارٍ في هذه الباء أوجه : أحدها : أنها على أصلها من الإلصاق وفيه قلق . والثاني : أنها بمعنى في ، ولا بدّ من حذف مضاف أي : في حفظ دينار وفي حفظ قنطار . والثالث : أن الباء بمعنى على ، وقد عدّي بها كثيرا : لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ « 7 » هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ « 8 » وكذلك هي في « بِقِنْطارٍ » . قوله : إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً استثناء مفرغ من الظرف العام ، إذ التقدير : لا يؤدّه إليك في جميع المدد والأزمنة إلا في مدة دوامك قائما عليه متوكلا به . ودمت هذه هي الناقصة ترفع وتنصب ، وشرط إعمالها أن يتقدمها « ما » الظرفية كهذه الآية ، إذ التقدير إلا مدة دوامك ، ولا ينصرف ، فأمّا قولهم ، « يدوم » فمضارع « دام » التامة بمعنى بقي ، ولكونها صلة ل « ما » الظرفية لزم أن تكون محتاجة إلى كلام آخر لتعمل في الظرف نحو : « لا أصحبك ما دمت باكيا » ، ولو قلت : « ما دام زيد قائما » من غير شيء لم يكن كلاما .

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سلام بن سليمان الطويل أبو المنذر المزني مولاهم البصري ثم الكوفي ثقة جليل ومقرىء كبير . انظر غاية النهاية 1 / 309 . ( 3 ) سورة آل عمران ، آية ( 145 ) . ( 4 ) سورة الزمر ، آية ( 7 ) . ( 5 ) سورة النساء ، آية ( 115 ) . ( 6 ) سورة النمل ، آية ( 28 ) . ( 7 ) سورة يوسف ، آية ( 11 ) . ( 8 ) سورة يوسف ، آية ( 64 ) .